وهو الذي يقول فيه ابن هرمة وذكر أنه لا يشاور أحدا فيما يهمّ به :
إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره
فناجى ضميرا غير مختلف العقل
ولم يشرك الأدنين في جلّ أمره
إذا انتقضت بالأضعفين قوى الجبل
[ 57 ب ] وهو الذي قال لعيسى بن موسى لمّا استرجع حين رأى أبا مسلم على طرف البساط قتيلا : يا عيسى ! لا تسترجع واحمد ربك . فإنك هجمت على نعمة ولم تهجم على مصيبة وتمثّل :
وما العجز إلَّا أن تشاور عاجزا
وما الحزم إلَّا أن تهمّ وتفعلا
فبهذا الحزم وهذه التجربة وبعد هذه الهمة والأسفار الكثيرة ومشاهدة البلدان البعيدة ، رأى أن يختار هذا الموضع مدينة ومنزلا مستقرا . هذا وخراسان تنهض وفي أكناف الشام جماعة من بني أمية يحاولون طلب الملك . وبالحرمين طالبيون يرون أنهم أحق الناس بالملك . ثم لمّا عزم على بنائها ورآها أهلا ، وكل بها جلة قواده ورؤسائه . فقسمها أرباعا ودفع كل ربع إلى قائد ووكله ببنائه .
ولقد أمكن المنصور الإشراف على خراسان عند خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن إياه ، حتى أخذه أسيرا . كما أمكنه الإشراف على مكة والبصرة عند خلع بني عبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام . حتى بلغ من ذلك مراده لتوسط الموضع . ولتوسطه أيضا أمكنه أن يوجه المهدي إلى الري وطبرستان وجرجان وأن يوجه المهدي بالهادي إلى جرجان . وأن يوجه المهدي بالرشيد إلى صائقة الروم .
وأن يمضي الرشيد بنفسه يريد سمرقند . وأن يوجه المأمون لعبد الله بن طاهر إلى مصر ، ويشرف على بابك بالجبال . وأن يفتح المعتصم طبرستان وعمورية ويأخذ بابك من البر . ولولا توسط بغداد لكان الأمر أعسر والمطلب أبعد والأخبار أبطأ .
والله يفعل ما يشاء .
ومن غريب سعادة بغداد ، أنه لم يمت فيها خليفة قط حتف أنفه . وذلك أن المنصور بناها وتوفي ببئر ميمون ودفن بمكة . وتوفي المهدي بالروذراور من عمل الجبل . وتوفي الهادي بعيسىآباد . وتوفي الرشيد بطوس من أرض خراسان . وقتل