الوقف وإن كان قد حدث فعلا في صدر الإسلام إلاّ أن ذلك كان قبل تشريع الميراث ، فلما نزلت آيات الفرائض من سورة النساء ، نسخت سنن الوقف وأبطلت إجازته ومشروعيته .
وأدلة هذا الفريق نقليّة وعقليّة منها :
1 - ما روي عن عبد الله بن عباس أنه قال : لمّا نزلت آيات المواريث من سورة النساء قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « لا حبس عن فرائض الله » فالحديث فيه نهي عن حبس أموال التركة عن الورثة .
وقد ردّ هذا الحديث بضعفه ، قال ابن حزم : إنه موضوع ، وعلى فرض صحته فالاستدلال به فاسد لأنهم لا يختلفون في جواز الهبة والصدقة في الحياة ، والوصيّة بعد الموت ، وكل هذه مسقطة لفرائض الورثة عما لو لم تكن فيه لورثوه على فرائض الله عزّ وجلّ ، فيجب بهذا ابطال كل هبة وكل صدقة وكل وصيّة لأنها مانعة من فرائض الله تعالى بالمواريث .
2 - ومنها ما روي عن شريح قال : « جاء رسول الله بمنع الحبس » .
وردّ ذلك من الجمهور لأن رواية شريح موقوفة عليه ومرسلة ، والصحيح أنّ محمداً ( صلى الله عليه وآله ) جاء باثبات الحبس كما ورد في الروايات الكثيرة والصحيحة .
3 - واستدلوا بالمعقول وقالوا : إن إجازة الوقف تعني خروج الموقوف عن ملك الواقف لا إلى ملك أحد ، وهذا يعني إنه سائبة ، ولا سائبة في الإسلام .
وقالوا أيضاً : إن الوقف هو ا لتصدق بالمصلحة المستقبلة ، وهي معدومة وقت الايجاب ، وتمليك العدوم لا يصح ، لأنه لا محل وقت العقد يرد عليه التمليك والتملّك وهذا باطل .
ويرد عليه : إن النصّ فوق القواعد وهو حجة عليها .
وإن خروج المملوك إلى غير مالك أمر قد يقره الشرع كما أقره في العتق .
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 193
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص١٩٣