الإسناد إلى الدين ، ولم يكن محرما بالذات شرعا ، كان بدعة حسنة ، أي
أمرا جديدا مفيدا للمجتمع ، كما إذا احتفل الشعب بيوم استقلاله في كل عام ، أو
اجتمع للبراءة من أعدائه أو أقام الأفراح لمولد بطل من أبطاله ، وبالجملة ما هو
حلال بالذات لا مانع من أن تتفق عليه الأمة وتتخذه عادة ومتبعا في المناسبات
ويكون بدعة لغوية .
نعم ، ما كان محرما بالذات ، فلو اتخذ أمرا مرسوما ورائجا مثل دخول
النساء سافرات متبرجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات ،
فهذا أمر حرام بالذات أولا ، وليس بمحرم من باب البدعة الشرعية بمعنى
التدخل في أمر الدين والتسنين فيه والتشريع على خلاف ما شرعه الشارع ،
وإنما هو عمل محرم اتخذ رائجا لا باسم الدين ولا باسم الشريعة وأقصى ما
يعتذر بأنه مقتضى الحضارة العصرية مع الاعتراف بكونه مخالفا للشرع ، ولو
قيل إنه بدعة قبيحة أو مذمومة ، فإنما هو بحسب معناها اللغوي .
وبذلك يظهر أن أكثر من أطنب الكلام في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ،
فقد خلط البدعة في مصطلح الشرع بالبدعة اللغوية فأسهبوا في الكلام وأتوا
بأمثلة كثيرة زاعمين أنها من البدع الشرعية مع أن أمرها يدور بين أمرين :
إما أنها عمل ديني يؤتى بها باسم الدين والشريعة ولكن يوجد لها أصل
فيهما فتخرج بذلك من تحت البدعة ، كتدوين الكتاب والسنة إذا خيف عليهما
التلف من الصدور ، وبناء المدارس والربط وغيرهما ، وقد مثلوا بالتدوين للبدعة
الواجبة وببناء المدارس والربط بالبدعة المستحبة ، مع أنهما ليسا ببدعة لوجود
أصل صالح لهما في الشريعة .
أو أنها عمل عادي لا يؤتى بها باسم الدين بل يؤتى بها لأجل تطوير الحياة
وطلب الرفاه ، فتكون خارجا عن موضوع البدعة في الشرع كنخل الدقيق ، فقد ورد
البدعة ، مفهومها ، حدها وآثارها — صفحة 69
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٦٩