ونحن نستفرغ الوسع في هذه الفصول ونبرأ من الحول والقوة ، فنذكر أولاً ما قاله الأصحاب .
قالوا : العفيف من لا يرتكب كبيرة ، ولا يُصرّ على صغيرة ، وصاحب المروءة هو الذي يصون نفسه عن الأدناس ، ولا يَشينها عند الناس .
وقيل : هو الذي يسير سيرة أشكاله من أهل عصره في زمانه ومكانه .
وقيل : هو من يحفظ نفسه من فعلٍ يُسخر به لأجله ، فالفقيه إذا لبس السلاح وزيّ السلطان ، كان تاركاً للمروءة . والحمالون إذا تطلّسوا ( 1 ) كانوا تاركين للمروءة .
فهذا ما ذكره الأصحاب ، وما لم نذكره ( 2 ) ، فهو من جنس ما ذكرناه .
12121 - والضبط عندنا في مقصود هذا الباب أهونُ من كل ضبط في محل انتشار ، فنستعين بالله ، ونقول : أما الذنوب فالمعتبر عندنا فيها أن يقال : كل ما يدلّ صَدرُه عن الشخص على استهانته بالدين ، ولست أعني الاستهانة التي توجب التكفير ، بل أعني استهانة تُنتجها غلبةُ النفس الأمّارة بالسوء ؛ فإن من شأنها إذا [ استغلبت ] ( 3 ) على سُنَّةِ التقوى أن تهوّن الأمر ، وقد تعتضد بعده [ بالتوبة ] ( 4 ) وبإظهار المطمع في الرحمة ( 5 ) ، وبالجملة تتدرب وتتمرن على العصيان على استبشار من غير استشعارٍ وانكسار ، فكل ما يُشعر بذلك - يوجب ردَّ الشهادة ، وهو الكبيرة عندي في قاعدة الأصول .
وما يحمل على فلتات النفس ، وفترات ( 6 ) مراقبة التقوى ، [ وشأنُ ] ( 7 ) مثله أن
هامش
( 1 ) تطلَّس : لبس الطيلسان . وهو كالوشاح ، يوضع على الكتف تجملاً ، وهو غير مخيط ، ويشبه ما تسميه العامة ( الشال ) ( المعجم الوسيط ) .
( 2 ) أي : ما لم نذكره مما قاله الأصحاب ، ففيما ذكرناه كفاية ، وغَناء ، وعوض عنه ، فهو من جنسه .
( 3 ) في الأصل : " استغلب " .
( 4 ) في الأصل : " التوبة " .
( 5 ) المعنى أن النفس الأمارة بالسوء تهؤن المعصية ، مستعينة بأن باب التوبة مفتوح ما لم يغرغر ، وبأن رحمة الله واسعة . وهذا من مكر النفس بصاحبها .
( 6 ) فترات : من الفتور والضعف .
( 7 ) في الأصل : " وسار " .