ثم من قال : يسكنها الأب حيث يشاء يخصّص ذلك بالأب ، والجدُّ في معنى الأب ؛ فإنه يجبر على النكاح إجبار الأب .
فأما من عدا الأب والجد ، فلا يملكون الاحتكام على البكر البالغة الرشيدة ، فإن نوبة الحضانة قد انتهت ، [ وليس ] ( 1 ) لهم إجبارُها على النكاح ، فهي بمثابة الثيب في حقوقهم .
ولا خلاف أن الثيب إذا كانت مأمونة ، فلا اعتراض للأب ولا لغيره [ من ] ( 2 ) العصبات عليها .
وإن كانت المرأة بحيث تُزَنّ بريبةٍ ( 3 ) ، فللأب والجد ، ومن سواهما من عصبات النسب أن يحضنوها في مسكنٍ يسهل عليهم مراقبتها فيه ، وإنما أثبتنا لهم ذلك ، حتى لا يلحقهم العار ، وقد جوزنا لهؤلاء الاعتراض على نكاحها ، إذا زوجها بعضُ الأولياء [ ممّن ] ( 4 ) لا يكافئها .
ولو ادّعى الولي ريبة ، فإن أظهرها ، فله الاحتكام ، وإن عجز عن إظهارها ، فهذا فيه بعض النظر ، فإن الرِّيب قد تخفى حتى لا يدركها إلا من تبطّن من أهل القرابة ، ولا يمتنع ألاّ يكلفَ من له حق الاعتراض أن يُظهر الريبة ، وقد يكون وجه الرأي في الإخفاء ؛ حتى لا تشاع فاحشة على المرأة .
هذا وجهٌ من الرأي ، في الثيب والبكرِ في حق غير الأب والجد . ويعترض على هذا أنه يُفضي إلى تمليك الولي الاحتكام على المرأة المستقلّة من غير حجة وإظهارِ موجِبٍ ومقتضٍ ، والعلم عند الله تعالى .
هامش
( 1 ) في الأصل : وليت .
( 2 ) في الأصل : في .
( 3 ) تُزنّ بريبةٍ : أي تتهم بسوء ، من قولهم : زنَّ فلاناً زنّاً : اتهمه بسوء أو غيره ( المعجم ) .
ونشير هنا إلى أن إمام الحرمين متأثر في عبارته بشعر حسان رضي الله عنه في مدح عائشة أم المؤمنين المبرّأة رضي الله عنها حيث قال : " حصانٌ رزانٌ ما تُزَنّ بريبةٍ " مما يشهد للإمام بالإحاطة بدواوين اللغة والأدب .
( 4 ) في الأصل : فمن .