الأعذار ، لا أن يجعل ذلك سببا للطعن عليه كرهت ذكرها .
إنّ الّذي لم يصحّح الرجل نقله صحّحه آخرون فنقلوه قبله وبعده فلم ينل المسكين مبتغاه ، وكان قد حسب أنّ الحقائق الثابتة تخفى عن أعين الناس إن سترها هو بذيل أمانته .
هب أنّه ستر التاريخ بالإهمال لكنّه ما ذا يصنع بالمحدّثين الّذين أثبتوا حديث إخراجه من المدينة وطرده عن مكّة والشام في باب الفتن وفي باب أعلام النبوّة ؟
ثمّ إنّ تأديب الخليفة للرعيّة إنّما يقع على من فقد الآداب الدينيّة وطوّحت به طوائح الجهل إلى مساقط الضعة ، وأمّا مثل أبي ذرّ الّذي أطراه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بما لم يطر به غيره ، وقرّبه وأدناه وعلّمه وإذا غاب عنه تفقّده ، وشهد أنّه شبيه عيسى بن مريم هديا وسمتا وخلقا وبرّا وصدقا ونسكا وزهدا ، فبماذا يؤدّب ؟ ! ولماذا ؟ ! وأيّ تأديب هذا يراه النبيّ الأعظم بلاء في اللّه ؟ ! ويأمر أبا ذرّ بالصبر وهو يقول : مرحبا بأمر اللّه . وبم ولم استحقّ أبو ذرّ التأديب وعمله مبرور مشكور عند المولى سبحانه ، ويراه مولانا أمير المؤمنين غضبا للّه ويقول له :
« فارج من غضبت له » « 1 » ؟ !
نعم ، يجب أن يكون أبو ذرّ هو المؤدّب للناس ؛ لما حمله من علم النبوّة وأحكام الدين وحكمه ، والنفسيّات الكريمة ، والملكات الفاضلة الّتي تركته شبيها بعيسى بن مريم في امّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله .
ما بال الخليفة يتحرّى تأديب أبي ذرّ وهو هذا ، ويبهظه تأديب الوليد بن عقبة السكّير على شرب الخمر واللعب بالصلاة المفروضة ؟ !
ويبهظه تأديب عبيد اللّه بن عمر على قتل النفوس المحترمة .
هامش
( 1 ) - راجع ما مرّ في ص 19 .