الجواد قد يكبو :
لا ينقضي العجب ، وكيف ينقضي من مثل أبي تمّام العريق في المذهب ، والعارف بنواميسه ، والبصير بأحوال رجالاته ، وما لهم من مآثر جمّة ، وجهود مشكورة ، وهو جدّ عليم بما لأضدادهم من تركاض وهملجة في تشويه سمعتهم ، وإعادة تأريخهم المجيد المملوء بالأوضاح والغرر ، إلى صورة ممقوتة ، محفوفة بشية العار ، مشفوعة كلّ هاتيك بجلبة ولغط ، وقد انطلت لديه أمثلة من تلكم السفاسف حول رجل الهدى ، الناهض المجاهد والبطل المغوار ، المختار بن أبي عبيد الثقفي ؛ فحسب ما قذفته به خصماؤه الألدّاء في دينه وحديثه ونهضته ، حقائق راهنة ، حتّى قال في رائيّته المثبّتة في ديوانه « 1 » :
والهاشميّون استقلّت عيرهم * من كربلاء بأوثق الأوتار
فشفاهم المختار منه ولم يكن * في دينه المختار بالمختار
حتّى إذا انكشفت سرائره اغتدوا * منه براء السمع والأبصار
ومن عطف على التاريخ والحديث وعلم الرجال نظرة تشفعها بصيرة نفّاذة ، علم أنّ المختار في الطليعة من رجالات الدين والهدى والإخلاص ، وأنّ نهضته الكريمة لم تكن إلّا لإقامة العدل باستئصال شأفة « 2 » الملحدين ، واجتياح جذوم « 3 » الظلم الامويّ ، وأنّه بمنتزح من المذهب الكيسانيّ ، وأنّ
هامش
( 1 ) - ديوان أبي تمّام : 114 [ ص 135 ] .
( 2 ) - [ « الشأفة » : الأصل ] .
( 3 ) - جمع جذمة ، وهي الأصل .