لذلك العرش عن مستقرّه ، أو أنّ مهملجة الجشع الّذين حصّلوا على تلكم الثروات الطائلة خافوه أن يسلب ما في أيديهم إن وعى واع إلى هتافه ، فتألّبوا عليه وأغروا خليفة الوقت به بتسويلات متنوّعة حتّى وقع ما وقع ، والخليفة أسير هوى قومه ، ومسيّر بشهواتهم ، مدفوع بحبّ بني أبيه وإن كانوا من الشجرة الملعونة في القرآن .
وما كان أبو ذرّ يمنعهم عن جلب الثروة من حقّها ، ولا يبغي سلب السلطة عمّن ملك شيئا ملكا مشروعا ، لكنّه كان ينقم أهل الأثرة على اغتصابهم حقوق المسلمين ، وخضمهم مال اللّه خضمة الإبل نبتة الربيع ، وما كان يتحرّى إلّا ما أراد اللّه سبحانه بقوله عزّ من قائل :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 1 » ، وما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الجهات الماليّة .
أخرج أحمد في مسنده « 2 » من طريق الأحنف بن قيس قال : « كنت بالمدينة فإذا أنا برجل يفرّ الناس منه حين يرونه . قال : قلت : من أنت ؟ قال :
أنا أبو ذرّ صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . قال : قلت : ما يفرّ الناس منك ؟ قال : إنّي أنهاهم عن الكنوز بالّذي كان ينهاهم عنه رسول اللّه » .
وفي فتح الباري « 3 » نقلا عن غيره : « الصحيح أنّ إنكار أبي ذرّ كان على السلاطين الّذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه » .
وتعقّبه النووي بالإبطال لأنّ السلاطين حينئذ كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وهؤلاء لم يخونوا .
هامش
( 1 ) - التوبة : 34 .
( 2 ) - مسند أحمد 5 : 164 و 176 [ 6 / 206 ، ح 20940 ؛ ص 224 ، ح 21024 ] .
( 3 ) - فتح الباري 3 : 213 [ 3 / 275 ] .