إن نفّره مع الحل ، فطارَ ، وجب الضّمان ، لا خلاف فيه . وإن اختصر على حل الرباط وفَتْح باب القفص ، فمذهبنا الظاهر أن الطيران إن اتصل بالحل ، وجب الضّمان ، وإن استأخر الطائر بعد الحل ، وتخلل زمان يعدُّ فاصلاً بين الفتح والطيران ، فلا ضمان .
وقال أبو حنيفة ( 1 ) : لا يجبُ الضّمان ، وإن اتصل الطيران ، إذا لم يظهر مع الفتح تنفير . وقال مالكٌ ( 2 ) : يجب الضّمان سواء اتصل الطيران بالفتح ، أو انفصل عنه . وقد ذكر الأصحاب قولين مثل مذهب الإمامين مالك وأبي حنيفة رحمة الله عليهما . فحصل على هذا التقدير ثلاثة أقوال .
والمذهب المشهور منها الفصل كما قدمناه ، وعصام المذهب أَنَّ الطيران فعلُ حيوانٍ ذي اختيارٍ ، وهذا لا ننكره . وقياسه أنه إذا لم [ يجرِ ] ( 3 ) إرهاقٌ ، وحمل على الفعل ، ولم يوجد من الفاتح إتلافٌ ، ولا إثباتُ يدٍ ، فلا يجبُ الضمان . وإذا اتصل الطيران ، فالأمر محمولٌ على اقتضاء الفتح تنفيراً ، والتنفير فيما لا يعقِل ينزل منزلة الإكراه ، والإلجاء [ فيمن ] ( 4 ) يعقل .
ومن حكم بوجوب الضّمان مع الاتصال والانفصال ، ألحق ذلك بالأسباب المضمّنة كحفر البئرِ في محل العدوان ونحوه . ومن لم يوجب الضّمان في الاتصال والانفصال ، أحال الضياع على فعل حيوانٍ [ ذي ] ( 5 ) اختيار ، يعتمد الخلاص .
والمتردي في البئر لا يعتمد التردي فيها .
وسيكون لنا كلام ضابط في كتاب الديات في الأسباب وما يتعلق بها [ من ] ( 6 ) الضمان وما لا يتعلق ، إن شاء الله عز وجل ؛ فإن القول في ذلك منتشر على من لا يحيط بالمدارك .
هامش
( 1 ) رؤوس المسائل : 350 مسألة 230 ، البد ائع : 7 / 166 .
( 2 ) الإشر أف للقاضي عبد الوهاب : 2 / 630 مسألة 1084 ، جواهر الإكليل : 2 / 148
( 3 ) في الأصل : يحز .
( 4 ) في الأصل : ثم يعقل .
( 5 ) في الأصل : ذو .
( 6 ) زيادة اقتضاها السياق .