خراسان ، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع ابن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس
له ، وتحقق عنده قول الراهب . وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد
أعدها له أخوه مروان بن المهلب لهذا اليوم ، فركبها وسلك بن دليل من بني كلب يقال له
عبد الجبار بن يزيد ( 1 ) ، فأخذ بهم على السماوة ، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك
نحو الشام ، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك ، وسار يزيد حتى نزل الأردن ( 2 ) على وهيب بن
عبد الرحمن الأزدي - وكان كريما على سليمان بن عبد الملك - فسار وهيب إلى سليمان بن عبد الملك
فقال له : إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي ، قد جاؤوا مستعيذين بك من الحجاج ، قال : فاذهب
فأتني بهم فهم آمنون ما دمت حيا ، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك ،
فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد : إن آل المهلب قد أمنتهم ، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة
آلاف ألف ، وهي عندي . فكتب إليه الوليد : لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي . فكتب إليه : لا
والله لا أبعثه حتى أجئ معه ، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرني في جواري . فكتب
إليه : لا والله لا تجئ معه وابعث به إلي في وثاق . فقال يزيد : ابعث بي إليه فما أحب أن أوقع بينك
وبينه عداوة وحربا ، فابعثني إليه وابعث معي ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث
معه ابنه أيوب ، وقال لابنه : إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة ، وادخلا عليه
كذلك . فلما رأى الوليد ابن أخيه في السلسلة ، قال : والله لقد بلغنا من سليمان . ودفع أيوب كتاب
أبيه إلى عمه وقال : يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها ، ولا تقطع منا
رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك . ثم
قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه : أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إن كنت لأظن لو استجار
بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره ، بل لم أجر إلا سامعا
مطيعا ، حسن البلاء والأثر في الاسلام هو وأبوه وأهل بيته ، وقد بعثت به إليك فإن كنت إنما تعد
قطيعتي واخفار ذمتي والابلاغ في مساءتي فقد قدرت إن أنت فعلت ، وأنا أعيذك بالله من احتراد
قطيعتي وانتهاك حرمتي ، وترك بري وإجابتي إلى ما سألتك ، ووصلتي ، فوالله يا أمير المؤمنين ما
تدري ما بقائي وبقاؤك ، ولا متى يفرق الموت بيني وبينك ، فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره
أن لا يأتي أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤد ، وعن مساءتي نازع فليفعل ، ووالله يا أمير
المؤمنين ما أصبحت بشئ من أمر الدنيا بعد تقوى الله بأسر مني برضاك وسرورك ، وإن رضاك
هامش
( 1 ) في الطبري 8 / 72 عبد الجبار بن يزيد بن الربعة ، وفي ابن الأعثم 7 / 211 : عبد الرحمن بن عاصم . وفي ابن
الأثير 4 / 546 : دليل من كلب .
( 2 ) في الطبري وابن الأثير : وسار يزيد حتى قدم فلسطين . وفي ابن الأعثم 7 / 211 : زهرة بن عبد الرحمن الأزدي
هو الذي يأخذ لي الأمان من القوم .