يرضاها ، فما كان بأسرع من أن أتي بها بسرجها لم يفقد منها شئ ، فقام فركبها ، فلما استوى عليها
وجمع إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال : الحمد لله ، لم يزد على ذلك ، فقيل له في ذلك ، فقال :
فهل تركت أو أبقيت شيئا ؟ جعلت الحمد كله لله عز وجل . وقال عبد الله بن المبارك : قال محمد بن
علي : من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة ، وحسن حاله في دنياه وآخرته ، ومن
حرمهما كان ذلك سبيلا إلى كل شر وبلية ، إلا من عصمه الله . وقال : أيدخل أحدكم يده في كم
صاحبه فيأخذ ما يريد تاما إلا قال : فلستم إخوانا كما تزعمون ، وقال : اعرف مودة أخيك لك بما له
في قلبك من المودة فإن القلوب تتكافأ . وسمع عصافير يصحن فقال : أتدري ماذا يقلن ؟ قلت :
لا ! ! قال : يسبحن الله ويسألنه رزقهن يوما بيوم . وقال : تدعو الله بما تحب ، وإذا وقع الذي تكره
لم تخالف الله عز وجل فيما أحب .
وقال : ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج ، وما من شئ أحب إلى الله عز وجل من أن
يسأل . وما يدفع القضاء إلا الدعاء . وإن أسرع الخير ثوابا البر ، وأسرع الشر عقوبة البغي ، وكفى
بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه ، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله ،
وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه . وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه . هذا كلمات جوامع موانع
لا ينبغي لعاقل أن يفعلها . وقال القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق . وقال أبو جعفر : صحب
عمر بن الخطاب رجل إلى مكة فمات في الطريق ، فاحتبس عليه عمر حتى صلى عليه ودفنه ، فقل يوم
إلا كان عمر يتمثل بهذا البيت :
وبالغ أمر كان يأمل دونه * ومختلج من دون ما كان يأمل
وقال أبو جعفر : والله لموت عالم أحب إبليس من موت ألف عابد . وقال : ما اغرورقت
عين عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار ، فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا
ذلة ، وما من شئ إلا وله جزاء إلا الدمعة فإن الله يكفر بها بحور الخطايا ، ولو أن باكيا بكى من
خشية الله في أمة رحم الله تلك الأمة . وقال : بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا . قلت :
البيت الذي كان يتمثل به قبله بيتان وهو ثالثهما ، وهذه الأبيات تتضمن حكما وزهدا في الدنيا قال :
لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا * بمنزلة ما بعدها متحول
فساخط أمر لا يبدل غيره * وراض بأمر غيره سيبدل
وبالغ أمر كان يأمل دونه * ومختلج من دون ما كان يأمل
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة
ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة ، وفيها وقع طاعون عظيم بالشام والعراق ، وكان معظم
ذلك في واسط . وفي المحرم منها توفي الجنيد بن عبد الرحمن المري أمير خراسان من مرض أصابه في
البداية والنهاية — صفحة 341
مساهمون: ابن كثير
ص٣٤١