إلى دمشق حتى تفتح أو يموت ، فمات هنالك كما ذكرنا ، فحصل له بهذه النية أجر الرباط في سبيل
الله ، فهو إن شاء الله ممن يجري له ثوابه إلى يوم القيامة رحمه الله .
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة شراحيل بن عبيدة بن قيس العقيلي ما مضمونه : إن
مسلمة بن عبد الملك لما ضيق بمحاصرته على أهل القسطنطينية ، وتتبع المسالك واستحوذ على ما
هنالك من الممالك ، كتب إليون ملك الروم إلى ملك الرجان يستنصره على مسلمة ، ويقول له :
ليس لهم همة إلا في الدعوة إلى دينهم ، الأقرب منهم فالأقرب ، وإنهم متى فرغوا مني خلصوا إليك ،
فمهما كنت صانعا حينئذ فاصنعه الآن ، فعند ذلك شرع لعنه الله في المكر والخديعة ، فكتب إلى مسلمة
يقول له : إن إليون كتب إلي يستنصرني عليك ، وأنا معك فمرني لما شئت . فكتب إليه مسلمة : إني
لا أريد منك رجالا ولا عددا ، ولكن أرسل إلينا بالميرة فقد قل ما عندنا من الأزواد . فكتب إليه : إني
قد أرسلت إليك بسوق عظيمة إلى مكان كذا وكذا ، فأرسل من يتسلمها ويشتري منها . فأذن مسلمة
لمن شاء من الجيش أن يذهب إلى هناك فيشتري له ما يحتاج إليه ، فذهب خلق كثير فوجدوا هنالك
سوقا هائلة ، فيها من أنواع البضائع والأمتعة والأطعمة ، فأقبلوا يشترون ، واشتغلوا بذلك ، ولا
يشعرون بما أرصد لهم الخبيث من الكمائن بين تلك الجبال التي هنالك ، فخرجوا عليهم بغتة واحدة
فقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين وأسروا آخرين ، وما رجع إلى مسلمة إلا القليل منهم ، فإنا لله وإنا
إليه راجعون ، فكتب مسلمة بذلك إلى أخيه سليمان يخبره بما وقع من ذلك ، فأرسل جيشا كثيفا
صحبة شراحيل بن عبيدة هذا ، وأمرهم أن يعبروا خليج القسطنطينية أولا فيقاتلوا ملك البرجان ،
ثم يعودوا إلى مسلمة ، فذهبوا إلى بلاد البرجان وقطعوا إليهم تلك الخلجان ، فاقتتلوا معهم قتالا
شديدا ، فهزمهم المسلمون بإذن الله ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وسبوا وأسروا خلقا كثيرا ،
وخلصوا أسرى المسلمين ، ثم تحيزوا إلى مسلمة فكانوا عنده حتى استقدم الجميع عمر بن عبد العزيز
خوفا عليهم من غائلة الروم وبلادهم ، ومن ضيق العيش ، وقد كان لهم قبل ذلك مدة طويلة أثابهم
الله .
خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
قد تقدم أنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين ، وقد قيل بقين من صفر من هذه السنة
- أعني سنة تسع وتسعين - يوم مات سليمان بن عبد الملك ، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما
قدمنا ، وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة ، من أول حركة بدت
منه ، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة ، وهي الخيون الحسان الجياد المعدة لها ، والاجتزاء
بمركوبه الذي كان يركبه ، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة ، ويقال إنه خطب الناس فقال في
خطبته : أيها الناس ، إن لي نفسا تواقة لا تعطى شيئا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه ، وإني لما أعطيت
الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة ، فأعينوني عليها يرحمكم الله . وستأتي ترجمته عند وفاته
البداية والنهاية — صفحة 208
مساهمون: ابن كثير
ص٢٠٨