قال ابن جرير : وبلغنا أن تلك الرواحل سارت حتى أتت بيت المال فتسلمها حارسه فوضعها
في بيت المال ، وقيل إن الوليد قال له : ذلك المال وصل إلينا واذهب إلى إبلك فخذها ، وقيل إنه دفع
إليه شيئا من ذلك المال يقيته وعياله . وقال نمير بن عبد الله الشعناني عن أبيه قال : قال الوليد بن
عبد الملك : لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرا يفعل هذا بذكر .
قلت : فنفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة ، والفاحشة المذمومة ، التي عذب الله
أهلها بأنواع العقوبات ، وأحل بهم أنواعا من المثلات ، التي لم يعاقب بها أحدا من الأمم
السالفات وهي فاحشة اللواط التي قد ابتلى بها غالب الملوك والامراء ، والتجار والعوام
والكتاب ، والفقهاء والقضاة ونحوهم ، إلا من عصم الله منهم ، فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت
الحصر والتعداد ، ولهذا تنوعت عقوبات فاعليه ، ولإن يقتل المفعول به خير من أن يؤتى في دبره ،
فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا ، إلا أن يشاء الله ويذهب خبر المفعول به . فعلى الرجل
حفظ ولده في حال صغره وبعد بلوغه ، وأن يجنبه مخالطة هؤلاء الملاعين ، الذين لعنهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد اختلف الناس : هل يدخل الجنة مفعول به ؟ على قولين ، والصحيح في المسألة أن يقال
إن المفعول به إذا تاب توبة صحيحة نصوحا ، ورزق إنابة إلى الله وصلاحا ، وبدل سيئاته
بحسنات ، وغسل عنه ذلك بأنواع الطاعات ، وغض بصره وحفظ فرجه ، وأخلص معاملته لربه ،
فهذا إن شاء الله مغفور له ، وهو من أهل الجنة ، فإن الله يغفر الذنوب للتائبين إليه ( ومن لم يتب
فأولئك هم الظالمون ) [ الحجرات : 11 ] ( ومن تاب وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور
رحيم ) [ المائدة : 39 ] وأما مفعول به صار في كبره شرا منه في صغره ، فهذا توبته متعذرة ، وبعيد
أن يؤهل لتوبة صحيحة ، أو لعمل صالح يمحو به ما قد سلف ، ويخشى عليه من سوء الخاتمة ، كما قد
وقع ذلك لخلق كثير ماتوا بأدرانهم وأوساخهم ، لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدنيا ، وبعضهم
ختم له بشر خاتمة ، حتى أوقعه عشق الصور في الشرك الذي لا يغفره الله . وفي هذا الباب حكايات
كثيرة وقعت للوطية وغيرهم من أصحاب الشهوات يطول هذا الفصل بذكرها .
والمقصود أن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له .
فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الايمان . فيقع في سوء الخاتمة . قال الله تعالى ( وكان الشيطان
للانسان خذولا ) [ الفرقان : 29 ] بل قد وقع سوء الخاتمة لخلق لم يفعلوا فاحشة اللواط ، وقد كانوا
متلبسين بذنوب أهون منها . وسوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع
الله ، وصدق في أقواله وأعماله ، فإن هذا لم يسمع به كما ذكره عبد الحق الإشبيلي ، وإنما يقع سوء
الخاتمة لمن فسد باطنه عقدا ، وظاهره عملا ، ولمن له جرأة على الكبائر ، وإقدام على الجرائم ، فربما
غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة .
البداية والنهاية — صفحة 184
مساهمون: ابن كثير
ص١٨٤