مجلسا في شأن ما كان أخذه الوليد منهم ، وكان عمر عادلا ، فأراد أن يرد عليهم ما كان أخذه الوليد
منهم فأدخله في الجامع ، ثم حقق عمر القضية ، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل
في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة ، مثل كنيسة دير مران بسفح قاسيون ، وهي بقرية المعظمية ،
وكنيسة الراهب ، وكنيسة توما خارج باب توما ، وسائر الكنائس التي بقرى الحواجز ، فخيرهم بين
رد ما سألوه وتخريب هذه الكنائس كلها ، أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفسا للمسلمين بهذه
البقعة ، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس ، ويكتب لهمه كتاب أمان بها ،
ويطيبوا نفسا بهذه البقعة ، فكتب لهم كتاب أمان بها .
والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدنيا مثيل في حسنه وبهجته ،
قال الفرزدق : أهل دمشق في بلادهم في قصر من قصور الجنة - يعني الجامع - وقال أحمد بن أبي
الحواري عن الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان : ما ينبغي لاحد من أهل الأرض أن يكون أشد شوقا إلى
الجنة من أهل دمشق ، لما يرون من حسن مسجدها . قالوا : ولما دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق
يريد زيارة القدس نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري : سبقنا بنو أمية بثلاث ،
بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله ، وبنبل الموالي ، وبعمر بن عبد العزيز ، لا يكون
والله فينا مثله أبدا . ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة - وكان عبد الملك بن مروان هو الذي
بناها - قال لكاتبه : وهذه رابعة . ولما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم ،
وقاضيه يحيى بن أكثم ، قال : ما أعجب ما فيه ؟ فقال أخوه : هذه الا ذهاب التي فيه ، وقال
يحيى بن أكثم : الرخام وهذه العقد ، فقال المأمون : إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال
متقدم ، ثم قال المأمون لقاسم الثمار : أخبرني باسم حسن أسمي به جاريتي هذه ، فقال : سمها
مسجد دمشق ، فإنه أحسن شئ . وقال عبد الرحمن عن ابن عبد الحكم عن الشافعي قال :
عجائب الدنيا خمسة : أحدها منارتكم هذه - يعني منارة ذي القرنين باسكندرية - والثانية أصحاب
الرقيم وهم بالروم اثنا عشر رجلا ، والثالثة مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها ، يجلس الرجل
تحتها فينظر فيها صاحبه من مسافة مائة فرسخ . وقيل ينظر من بالقسطنطينية ، والرابع مسجد دمشق
وما يوصف من الانفاق عليه ، والخامس الرخام والفسيفساء ، فإنه لا يدري لها موضع ، ويقال إن
الرخام معجون ، والدليل على ذلك أنه يذوب على النار .
قال ابن عساكر : وذكر إبراهيم بن أبي الليث الكاتب - وكان قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين
وأربعمائة - في رسالة له قال : ثم أمرنا بالانتقال فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه ، ووافق ظاهره
باطنه ، أزقته أرجة ، وشوارعه فرجة ، فحيث ما مشيت شممت طيبا ، وأين سعيت رأيت منظرا
عجيبا ، وإن أفضيت إلى جامعه شاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ، ولا الرائي أن
يعرفه ، وجملته أنه كنز الدهر ونادرة الوقت ، وأعجوبة الزمان ، وغريبة الأوقات ، ولقد أثبت الله عز
البداية والنهاية — صفحة 173
مساهمون: ابن كثير
ص١٧٣