الأرض كلها في طلب العلم . فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب . وقال الأوزاعي : سئل الزهري
ومكحول من أفقه من لقيتما ؟ قالا : سعيد بن المسيب . وقال غيره : كان يقال له فقيه الفقهاء .
وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب : كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث
الواحد ، قال مالك : وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر
وأحكامه ، وقال الربيع عن الشافعي أنه قال : إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن . وقال الإمام أحمد
بن حنبل هي صحاح : قال : وسعيد بن المسيب أفضل التابعين . قال علي بن المديني : لا
أعلم في التابعين أوسع علما منه ، وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به ، وهو عندي أجل
التابعين . وقال أحمد بن عبد الله العجلي : كان سعيد رجلا صالحا فقيها ، كان لا يأخذ العطاء ،
وكانت له بضاعة أربعمائة دينار ، وكان يتجر في الزيت ، وكان أعور . وقال أبو زرعة : كان مدنيا ثقة
إماما . وقال أبو حاتم : ليس في التابعين أنبل منه ، وهو أثبتهم في أبي هريرة ، قال الواقدي : توفي
في سنة الفقهاء ، وهي سنة أربع وتسعين ، عن خمس وسبعين سنة ، رحمه الله .
وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه ، وكان من أزهد الناس في
فضول الدنيا ، والكلام فيما لا يعني ، ومن أكثر الناس أدبا في الحديث ، جاءه رجل وهو مريض
فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع ، فقال الرجل : وددت أنك لم تتعن ، فقال : إني
كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع ، وقال برد مولاه : ما نودي للصلاة منذ أربعين
إلا وسعيد في المسجد . وقال ابن إدريس : صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين
سنة . وقال سعيد : لا تملؤا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالانكار من قلوبكم ، لكيلا تحبط أعمالكم
الصالحة . وقال : ما يئس الشيطان من شئ إلا أتاه من قبل النساء . وقال : ما أكرمت العباد أنفسها
بمثل طاعة الله ، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى . وقال : كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى
عدوه يعمل بمعصية الله . وقال : من استغنى بالله افتقر الناس إليه . وقال : الدنيا نذلة وهي إلى كل
نذل أميل ، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها . وقال : إنه ليس من
شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه . وقال :
من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله ( 1 ) :
وقد زوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين لكثير ( 2 ) بن أبي وداعة - وكانت من أحسن النساء
وأكثرهم أدبا وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيرا ،
فأرسل إليه بخمسة آلاف ، وقيل : بعشرين ألفا ، وقال : استنفق هذه . وقصته في ذلك مشهورة ،
هامش
( 1 ) انظر صفوة الصفوة 2 / 80 - 81 .
( 2 ) في وفيات الأعيان 2 / 376 : زوجها من أبي وداعة ، وفي طبقات ابن سعد 5 / 138 : زوجها من ابن أخيه ، وفي
رواية أخرى عنده : من شاب من قريش .