قبحه الله وأخزاه ، قال الواقدي : حدثني مصعب بن نائب عن نافع مولى بني أسد - وكان عالما
بفتنة ابن الزبير - قال : حصر ابن الزبير ليلة هلال الحجة ( 1 ) سنة ثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة
ليلة خلت من جمادى الأول ( 2 ) سنة ثلاث وسبعين ، فكان حصر الحجاج له خمسة أشهر وسبع
عشرة ليلة ( 3 ) . وقد ذكرنا فيما تقدم أن الحجاج حج بالناس في هذه السنة الخارجة ، وكان في الحج
ابن عمر ، وقد كتب عبد الملك إلى الحجاج أن يأتم بابن عمر في المناسك كم ثبت ذلك في
الصحيحين ، فلما استهلت هذه السنة استهلت وأهل الشام محاصرون أهل مكة ، وقد نصب
الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك وكان مع
الحجاج الحبشة ، فجعلوا يرمون بالمنجنيق فقتلوا خلقا كثيرا ، وكان معه خمس مجانيق فألح عليها
بالرمي من كل مكان ، وحبس عنهم الميرة ، والماء ، فكانوا يشربون من ماء زمزم ، وجعلت الحجارة
تقع في الكعبة ، والحجاج يصيح بأصحابه : يا أهل الشام الله الله في الطاعة ، فكانوا يحملون على
ابن الزبير حتى يقال إنهم آخذوه في هذه الشدة ، فيشد عليهم ابن الزبير وليس معه أحد حتى
يخرجهم من باب بني شيبة ، ثم يكرون عليه فيشد عليهم ، فعل ذلك مرارا ، وقتل يومئذ جماعة
منهم وهو يقول : هذا وأنا ابن الحواري . وقيل لابن الزبير ألا تكلمهم في الصلح ! ! فقال : والله
لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا والله لا أسألهم صلحا أبدا . وذكر غير واحد أنهم لما
رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق ،
ونزلت صاعقة فأصابت من الشاميين اثني عشر رجلا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة ،
فلم يزل الحجاج يشجعهم ويقول : إني خبير بهذه البلاد ، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها ،
وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم ، وجاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير
جماعة كثيرة أيضا ، فجعل الحجاج يقول : ألم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم وأنتم على الطاعة وهم
على المخالفة ، وكان أهل الشام يرتجزون وهم يرمون بالمنجنيق ويقولون :
مثل الفنيق المزبد * نرمي بها أعواد هذا المسجد ( 4 )
هامش
( 1 ) في الطبري 7 / 202 وأسد الغابة 3 / 163 . وفي الإمامة والسياسة 2 / 30 ومروج الذهب 3 / 135 : ذي
القعدة .
( 2 ) في الاخبار الطوال ص 314 وابن الأثير 4 / 356 : جمادى الآخرة ، وفي مروج الذهب لأربع عشرة ليلة خلت
من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ، وذلك يوم الثلاثاء . وفي فتوح ابن الأعثم 6 / 279 : يوم الثلاثاء لثلاث
عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى .
( 3 ) في مروج الذهب 3 / 135 : كانت مدة حصار الحجاج لابن الزبير بمكة خمسين ليلة .
( 4 ) في الاخبار الطوال :
خطارة مثل الفنيق الملبد * نرمي بها عواذ أهل المسجد
وفي ابن الأثير 4 / 351 : وكان أهل الشام يقولون :
يا بن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيتنا إليكا
لتجزين بالذي أتيكا
وفيه ص 124 : أن أهل الشام جعلوا يرتجزون ويقولون : وذكر الشعر كما في الأصل ، وكان ذلك في حصار
الكعبة سنة أربع وستين في حصار حصين بن نمير أيام يزيد بن معاوية .