بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وقد كان عمر رضي الله عنه
يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان ، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق
الخبر ، فبينما هو ذات يوم من الأيام إذا هو براكب يلوح من بعد ، فاستقبله عمر فاستخبره ، فقال
له : فتح الله على المسلمين بالقادسية وغنموا غنائم كثيرة وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر وعمر
ما ؟ تحت راحلته ، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالامارة فعرف الرجل عمر
فقال : يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتني أنك الخليفة ؟ فقال لا حرج عليك يا أخي .
وقد تقدم أن سعدا رضي الله عنه كان به قروح وعرق النساء ، فمنعه من شهود القتال لكنه
جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش ، وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر
لشجاعته ، ولو فر الناس لاخذته الفرس قبضا باليد ، لا يمتنع منهم ، وعنده امرأته سلمى بنت
حفص ( 1 ) التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة ، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت : وا مثنياه
ولا مثنى لي اليوم . فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها ، فقالت - أغيرة وجبنا يعني أنها تعيره
بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها فإنها أعلم الناس بعذره وما هو فيه من المرض المانع
من ذلك ، وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة ، يقال
سبع مرات ، فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر وكان من
الشجعان الابطال قال :
كفى حزنا أن تدحم الخيل بالفتى ( 2 ) * وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذا قمت غناني الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة * وقد تركوني مفردا ( 3 ) لا أخاليا
ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد ، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار
فيضع رجله في القيد فأطلقته ، وركب فرس سعد وخرج فقاتل قتالا شديدا ، وجعل سعد ينظر إلى
فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بأبي محجن ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق ، فلما كان آخر النهار
رجع فوضع رجله في قيدها ونزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال : ما هذا ؟ فذكروا له قصة أبي محجن
فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما .
وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضي الله عنه :
هامش
( 1 ) في الطبري : خصفة وفي ابن الأعثم والإصابة : حفصة .
( 2 ) في الإصابة : كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا . وفي الاستيعاب : أن تلتقي ، وفي الكامل والطبري : أن
تردي . وفي فتوح البلدان : أن تدعس .
( 3 ) في الطبري والكامل : واحدا . وبعده فيهما :
ولله عهد لا أخيس بعهده * لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا