العاص إلى معاوية بن خديج أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ولا يقتله فقال معاوية : كلا والله ،
أيقتلون كنانة بن بشر واترك محمد بن أبي بكر ، وقد كان ممن قتل عثمان وقد سألهم عثمان الماء ، وقد
سألهم محمد بن أبي بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة من
الماء أبدا ، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم .
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن محمد بن أبي بكر نال من معاوية بن خديج هذا ومن عمرو بن العاص
ومن معاوية ومن عثمان بن عفان أيضا ، فعند ذلك غضب معاوية بن خديج فقدمه فقتله ثم جعله
في جيفة حمار فأحرقه بالنار ، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وضمت عياله إليها ،
وكان فيهم ابنه القاسم وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلوات .
وذكر الواقدي أن عمرو بن العاص قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي
فالتقوا مع المصريين بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي ، فهرب
عند ذلك محمد بن أبي بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق ، فدل عليه فجاء معاوية بن
خديج وأصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم محمد بن أبي بكر فقاتل حتى قتل . قال الواقدي : وكان
ذلك في صفر من هذه السنة ، قال الواقدي : ولما قتل محمد بن أبي بكر بعث علي الأشتر النخعي
إلى مصر فمات في الطريق فالله أعلم . قال : وكانت أذرح في شعبان في هذه السنة أيضا ، وكتب
عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الامر وأن الله قد فتح عليه بلاد مصر ورجعوا إلى
السمع والطاعة واجتماع الجماعة ، وبما عهد لهم من الامر . وقد زعم هشام بن محمد الكلبي أن
محمد بن أبي حذيفة بن عتبة مسك بعد مقتل محمد بن أبي بكر - وكان من جملة المحرضين على قتل
عثمان - فبعثه عمرو بن العاص إلى معاوية ولم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية ، فحبسه معاوية
بفلسطين فهرب من السجن ، فلحقه رجل يقال له عبد الله بن عمر بن ظلام بأرض البلقاء ،
فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوي إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرها جماعة من
الحصادين هنالك ، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه ، فجاء أولئك إليه فخشي عبد الله بن عمرو بن
ظلام أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه ، فضرب عنقه ، هكذا ذكر ذلك ابن الكلبي . وقد ذكر
الواقدي وغيره أن محمد بن أبي حذيفة قتل في سنة ست وثلاثين كما قدمنا . فالله أعلم .
وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه : ثنا عبد الله بن صالح ، حدثني ابن لهيعة ،
عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطي من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه
كان يظهر الروم على عورات المسلمين - يكتب إليهم بذلك - فاستخرج منه بضعا وخمسين أردبا
دنانير ، قال أبو صالح : والأردب ست ويبات الويبة مثل القفيز واعتبرنا الويبة فوجدناها تسعا
وثلاثين ألف دينار ، قلت : فعلى هذا يكون يبلغ ما كان أخذ من القبطي ما يقارب ثلاثة عشر
ألف ألف دينار . قال أبو مخنف باسناده : ولما بلغ علي بن أبي طالب مقتل محمد بن أبي بكر وما
كان بمصر من الامر ، وتملك عمرو لها ، واجتماع الناس عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيبا
البداية والنهاية — صفحة 349
مساهمون: ابن كثير
ص٣٤٩