عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد أحسن عمله ونال أمله ، ومن قصر عن ذلك فقد خسر
عمله وخاب أمله ، وضره أمله ، فاعملوا في الرغبة والرهبة فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله
واجمعوا معها رهبة ، وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة ، فإن الله قد تأذن
المسلمين بالحسنى ، ولمن شكر بالزيادة ، وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها
ولا أكثر مكتسبا من شئ كسبه ليوم تدخر فيه الدخائر ، وتبلى فيه السرائر ، وتجتمع فيه لكبائر ،
وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ، ومن لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال ، ومن لا ينفعه
اليقين يضره الشك ، ومن لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أعور ، وغائبه عنه أعجز : وإنكم قد
أمرت بالظعن ( 4 ) ودللتم على الزاد ، ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الامل واتباع
الهوى ، فأما طول الامل فينسي الآخرة ، وأما اتباع الهوى فيبعد عن الحق ، ألا وإن الدنيا قد
ترحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ، ولهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم ،
ولا تكونوا من بني الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل ، وهذه خطبة بليغة
نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر . وقد روي لها شواهد من وجوه أخر متصلة ولله الحمد والمنة .
وقد ذكر ابن جرير : أن عليا رضي الله عنه لما نكل أهل العراق عن الذهاب إلى الشام خطبهم
فوبخهم وأنبهم وتوعدهم وهددهم وتلا عليهم آيات في الجهاد من سور متفرقة ، وحث على المسير
إلى عدوهم فأبوا من ذلك وخالفوا ولم يوافقوه ، واستمروا في بلادهم ، وتفرقوا عنه هاهنا وهاهنا ،
فدخل على الكوفة .
فصل
وقد ذكر الهيثم بن عدي أنه خرج على علي بعد النهروان رجل يقال له : الحارث ( 5 ) بن
راشد الناجي ، قدم مع أهل البصرة ، فقال لعلي : إنك قد قاتلت أهل النهروان في كونهم أنكروا
عليك قصة التحكيم وتزعم أنك قد أعطيت أهل الشام عهودك ومواثيقك ، وأنك لست
بناقضها ، وهذان الحكمان قد اتفقا على خلعك ثم اختلفا في ولاية معاوية فولاه عمرو وامتنع أبو
موسى من ذلك ، فأنت مخلوع باتفاقهما ، وأنا قد خلعتك وخلعت معاوية معك ، وتبع الحارث هذا
بشر كثير من قومه - بني ناجية وغيرهم - وتحيزوا ناحية ، فبعث إليهم علي معقل بن قيس الرماحي
في جيش كثيف فقتلهم معقل ذريعا وسبى من بني ناجية خمسمائة أهل بيت فقدم بهم ليقدم بهم على
علي فتلقاه رجل يقال له : مصقلة بن هبيرة أبو المغلس - وكان عاملا لعلي على بعض الأقاليم - فتضرروا
هامش
( 1 ) الظعن : الرحيل عن الدنيا وأمرنا به أمر تكوين أي كما خلقنا الله خلق فينا أن نرحل عن حياتنا الأولى لنستقر في
الأخرى .
( 2 ) في الطبري والكامل : الخريت . وفيهما أنه ظهر سنة ثمان وثلاثين ، وسيرد خبره عنهما قريبا .