كان يقال قتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، وتلبس أمورها
عليها ، ويتركون شيعا لا يبصرون الحق من الباطل ، يموجون فيها موجا ، ويمرحون فيها مرحا .
فقال عثمان : قد والله علمت لتقولن الذي قلت ، أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا
أسلمتك ، ولا عبت عليك ، ولا جئت منكرا ، إني وصلت رحما ، وسددت خلة ، وآويت
ضائعا ، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي ، أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس
هناك ؟ قال : نعم ! قال : فتعلم أن عمر ولاه ؟ قال : نعم ! قال : فلم تلوموني أن وليت ابن
عامر في رحمه وقرابته ؟ قال علي : سأخبرك أن عمر كان كلما ولى أميرا فإنما يطأ على صماخيه ،
وأنه إن بلغه حرف جاء به ، ثم بلغ به أقصى الغاية في العقوبة ، وأنت لا تفعل ضعفت ورفقت
على أقربائك . فقال عثمان : هم أقرباؤك أيضا ، فقال علي لعمري إن رحمهم مني لقريبة ، ولكن
الفضل في غيرهم . قال عثمان : هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها ، فقد وليته ، فقال
علي : أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه ؟ قال : نعم !
قال علي : فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها ويقول للناس : هذا أمر عثمان ، فليبلغك
فلا تنكر ولا تغير على معاوية ثم خرج علي من عنده وخرج عثمان على إثره فصعد المنبر فوعظ
وحذر وأنذر ، وتهدد وتوعد ، وأبرق وأرعد ، فكان فيما قال : ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم به
لابن الخطاب ، ولكنه وطئكم برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فدنتم له على ما أحببتم
أو كرهتم ، ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي ، وكففت يدي ولساني عنكم ، فاجترأتم علي ، أما
والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأقمن ، إن قلت : هلم إلي إلي ، ولقد أعددت لكم
أقرانكم وأفضلت عليكم فضولا ، وكشرت لكم عن نابي ، فأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه ،
ومنطقا لم أنطق به ، فكفوا ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فإني قد كففت عنكم من لو كان
هو الذي يليكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا ، ألا فما تفقدون من حقكم ؟ فوالله ما قصرت في
بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي . ثم اعتذر عما كان يعطي أقرباه بأنه من فضل ماله . فقام مروان
ابن الحكم فقال : إن شئتم والله حكمنا بيننا وبينكم السيف ، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر :
فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم * مغارسكم تبنون في دمن الثرى
فقال عثمان : اسكت لا سكت ، دعني وأصحابي ، ما منطقك في هذا ، ألم أتقدم إليك أن لا
تنطق . فسكت مروان ونزل عثمان رضي الله عنه ( 1 ) .
وذكر سيف بن عمر وغيره أن معاوية لما ودعه عثمان حين عزم على الخروج إلى الشام عرض
عليه أن يرحل معه إلى الشام فإنهم قوم كثيرة طاعتهم للأمراء . فقال : لا أختار بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم
هامش
( 1 ) انظر الطبري ج 5 / 100 والكامل لابن الأثير 3 / 153 .