ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة
فسجدوا له ، فكان فيهم البر والفاجر ، والأحمق والكيس . ثم بذل لهم النصح مرة أخرى فإذا هم
يتمادون في غيهم ، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم ، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن
الشام ، لئلا يشوشوا عقول الطغام ، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريش
كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه ، من نصرة الدين وقمع المفسدين . وإنما
يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب ، وكانوا يشتمون عثمان وسعيد بن العاص ، وكانوا
عشرة ، وقيل تسعة وهو الأشبه ، منهم كميل بن زياد ، والأشتر النخعي - واسمه مالك بن يزيد -
وعلقمة بن قيس النخعيان ، وثابت بن قيس النخعي ، وجندب بن زهير العامري ، وجندب بن
كعب الأزدي ، وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعي ( 1 ) . فلما خرجوا من دمشق أووا إلى
الجزيرة فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان نائبا على الجزيرة . ثم ولى حمص بعد
ذلك - فهددهم وتوعدهم ، فاعتذروا إليه وأنابوا إلى الاقلاع عما كانوا عليه ، فدعا لهم وسير مالكا
الأشتر النخعي إلى عثمان بن عفان ليعتذر إليه عن أصحابه بين يديه ، فقيل ذلك منهم وكف عنهم
وخيرهم أن يقيموا حيث أحبوا ، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ،
فقدموا عليه حمص ، فأمرهم بالمقام بالساحل ، وأجرى عليهم الرزق . ويقال بل لما مقتهم معاوية
كتب فيهم إلى عثمان فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة ، فردهم إليه ،
فلما رجعوا كانوا أزلق ألسنة ، وأكثر شرا ، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان ، فأمره أن
يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص ، وأن يلزموا الدروب . وفي هذه السنة سير
عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام ، وإلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله رضي الله عنه ،
فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الأعداء في الحط والكلام فيه ، وهم الظالمون في ذلك ، وهو
البار الراشد رضي الله عنه . وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله
عنه وتقبل الله منه .
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين
قال أبو معشر : فيها كانت وقعة الصواري ، والصحيح في قول غيره أنها كانت قبل ذلك كما
تقدم . وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان وكان جمهورهم من أهل الكوفة - وهم في
معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة ، وثاروا على سعيد بن العاص
هامش
( 1 ) في رواية الطبري 5 / 90 : مالك بن الحارث الأشتر ، وثابت بن قيس النخعي ، وكميل بن زياد النخعي ،
وزيد بن صوحان العبدي ، وجندب بن زهير الغامدي ، وجندب بن كعب الأزدي وعروة بن الجعد وعمرو بن
الحمق الخزاعي .