فرسان الناس وشجعانهم ، فاجتمع إليه جماعة من الابطال يومئذ فقالوا : ألا تحمل فنحمل معك ؟
فقال : إنكم لا تثبتون ، فقالوا : بلى ! فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو
فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه . ثم جاؤوا إليه مرة ثانية ففعل
كما فعل في الأولى ، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه ، وفي رواية جرح . وقد روى البخاري معنى ما
ذكرناه في صحيحه . وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول : اللهم زلزل
أقدامهم ، وأرعب قلوبهم : وأنزل علينا السكينة ، وألزمنا كلمة التقوى ، وجبب إلينا اللقاء ،
وأرضنا بالقضاء . وخرج ماهان فأمر صاحب الميسرة وهو الدبريجان ( 1 ) ، وكان عدو الله متنسكا
فيهم ، فحمل على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحضرموت وخولان ، فثبتوا حتى صدقوا ( 2 ) أعداء
الله ، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال . فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب ، وانكشف
طائفة من الناس إلى العسكر ، وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم ، وانكشف
زبيد . ثم تنادوا فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف
من الناس ، واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة وجعلت خولة
بنت ثعلبة تقول :
يا هاربا عن نسوة تقيات * فعن قليل ما ترى سبيات
* ولا حصيات ولا رضيات * ( 3 )
قال : فتراجع الناس إلى مواقفهم . وقال سيف بن عمر عن أبي عثمان الغساني عن أبيه . قال
قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك : قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم ؟ ثم نادى :
من يبايع على الموت ؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام ، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه
المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا ، وقتل منهم خلق منهم
ضرار بن الأزور رضي الله عنهم . وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء
فجئ إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال : ادفعها إليها ، فلما دفعت إليه نظر
إليه الآخر فقال : ادفعها إليه ، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد
منهم ، رضي الله عنهم أجمعين .
هامش
( 1 ) قال الواقدي : أن الديرجان كان بطريقا على بصرى وهو الذي قاتل خالد وقتله عبد الرحمن بن أبي بكر .
( 2 ) كذا بالأصل ، ولعل الصواب : صدوا .
( 3 ) الأبيات في الواقدي ( فتوح الشام )
يا هاربا عن نساء ثقات * لها جمال ولها ثبات
تسلموهن إلى الهنات * تملك نواصينا مع البنات
اعلاج سوق فسق عتاة * ينلن منا أعظم الشتات