وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الابطال بين يدي الصفوف ، والابطال يتصاولون من
الفريقين بين يديه ، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل ، ويدبر أمر
الحرب أتم تدبير .
وقال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق ، قالوا : ثم زحف
ماهان فخرج أبو عبيدة ، وقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل ، وعلى الميسرة قباب ( 1 ) بن أشيم
الكناني ، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وعلى الخيل خالد بن الوليد ، وخرج الناس
على راياتهم ، وسار أبو عبيدة بالمسلمين ، وهو يقول : عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت
أقدامكم ، يا معاشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ، ومرضاة للرب ، ومدحضة
للعار ، ولا تبرحوا مصافكم ، ولا تخطوا إليهم خطوة ، ولا تبدؤهم بالقتال ، واشرعوا الرماح ،
واستتروا بالدرق ، والزموا الصمت إلا من ذكر الله . وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم ،
ويقول : يا أهل القرآن ، ومستحفظي الكتاب ، وأنصار الهدى والحق ، إن رحمة الله لا تنال ، وجنته
لا تدخل بالأماني ، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق ، ألم تسمعوا لقول الله
عز وجل * ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ) * إلى آخر الآية ؟ فاستحيوا رحمكم الله من
ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم ، وأنتم في قبضته ، وليس لكم ملتحد من دونه . وسار عمرو بن
العاص في الناس وهو يقول : أيها المسلمون غضوا الابصار واجثوا على الراكب ، واشرعوا الرماح ،
فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا وثبة الأسد ، فوالذي يرضي الصدق
ويثيب عليه ، ويمقت الكذب ويجزي الاحسان إحسانا . لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا
كفرا وقصرا قصرا ، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم ، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير
أولاد الحجل . ثم تكلم أبو سفيان فأحسن وحث على القتال فأبلغ في كلام طويل . ثم قال حين
تواجه الناس : يا معشر أهل الاسلام حضر ما ترون ، فهذا رسول الله والجنة أمامكم ، والشيطان
والنار خلفكم ، وحرض أبو سفيان النساء فقال : من رأيتنه فارا فاضربنه بهذه الأحجار والعصي حتى
يرجع .
وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد ، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد
المنهزم . وقسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة ، وفرقة وراء الميسرة ، لئلا يفر الناس
وليكونوا ردءا لهم من ورائهم . فقال له أصحابه : افعل ما أراك الله ، وامتثلوا ما أشار به خالد رضي
الله عنه . وأقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم أصوات مزعجة كالرعد ، والقساقسة والبطارقة تحرضهم
على القتال وهم في عدد وعدد لم ير مثله ، فالله المستعان وعليه التكلان .
وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام ، وهو أفضل من هناك من الصحابة ، وكان من
هامش
( 1 ) تقدم ذكره : قباث .