تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
أن أدنو منه ، قال : دعوا وابصة ، ادن يا وابصة ، مرتين أو ثلاثا ، قال : فدنوت منه حتى قعدت بين يديه ، فقال : يا وابصة أخبرك أم تسألني ؟ فقلت : لا ، بل أخبرني : فقال : جئت تسأل عن البر والاثم ، فقلت : نعم ، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك ( ثلاث مرات ) البر ما اطمأنت إليه النفس ، والاثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس أفتوك ( 1 ) .

باب

ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده وهذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها ، ولكن نحن نشير إلى طرف منها وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم . وذلك منتزع من القرآن ومن الأحاديث ، أما القرآن فقال تعالى في سورة المزمل - وهي من أوائل مما نزل بمكة - * ( علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) * [ المزمل : 20 ] ومعلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة . وقال تعالى في سورة اقترب - وهي مكية - * ( أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر ) * [ القمر : 44 ] ووقع هذا يوم بدر ، وقد تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من العريش ورماهم بقبضة من الحصباء فكان النصر والظفر ، وهذا مصداق ذاك * وقال تعالى : * ( تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ) * [ المسد : 1 - 5 ] فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وامرأته ، فقدر الله عز وجل أنهما ماتا على شركهما لم يسلما ، حتى ولا ظاهرا ، وهذا من دلائل النبوة الباهرة ، وقال تعالى : * ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) * [ الاسراء : 88 ] وقال تعالى في سورة البقرة : * ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) * الآية [ البقرة : 23 ] ، فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته ، وحلاوته وإحكام أحكامه ، وبيان حلاله وحرامه ، وغير ذلك من وجوه إعجازه ، لما استطاعوا ذلك ، ولما قدروا عليه ، ولا على عشر سور منه ، بل ولا سورة ، وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا ، ولن لنفي التأبيد في المستقبل ، ومثل هذا التحدي ، وهذا القطع ، وهذا الاخبار الجازم ، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به ، عالم بما يقوله ، قاطع أن أحدا لا يمكنه أن يعارضه ، ولا يأتي بمثل ما جاء به عن
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 228 ونقله البيهقي في الدلائل 6 / 292 - 293 .
البداية والنهاية — صفحة 202 | ابن كثير / علي شيري