عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " لا إله إلا الله وحده ، أعز جنده ، ونصر عبده ،
وغلب الأحزاب وحده فلا شئ بعده " ( 1 ) وقال ابن إسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما
وصف الله من الخوف والشدة ، لتظاهر عدوهم عليهم ، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل
منهم . قال : ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوه بن
أشجع بن ريث بن غطفان ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت ، وإن قومي
لم يعلموا باسلامي ، فمرني بما شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما أنت فينا رجل واحد ، فخذل
عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة " ( 2 ) فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم
نديما في الجاهلية فقال : يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم ، وخاصة ما بيني وبينكم . قالوا :
صدقت لست عندنا بمتهم . فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه
أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان قد
جاؤوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره ، فليسوا
كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل
ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من
أشرافهم ، يكونون بأيديهم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه . قالوا : لقد أشرت
بالرأي . ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد
عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا ، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم
فاكتموا عني . قالوا : نفعل ، قال : تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين
محمد ، وقد أرسلوا إليه : إنا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من
قريش وغطفان ، رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على من بقي
منهم حتى تستأصلهم ؟ فأرسل إليهم : أن نعم . فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من
رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا . ثم خرج حتى أتى غطفان فقال : يا معشر غطفان
إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني . قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 29 باب غزوة الأحزاب . ح : 4114 .
( 2 ) هي من جوامع كلمه ، وهي أقوال صائبة بعيدة عن التكلف ، نابعة من سلامة الطبع وصفاء الذهن . وهي
موجزة تؤدى بألفاظ قليلة دالة على معان وفيرة جليلة . وقد أخذت بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم صفات الحكمة من
حيث طابعها وسمتها . قال الجاحظ : " إنه كلام لم يسبقه إليه عربي ، ولم يشاركه فيه عجمي ولم يدع لاحد ولا
ادعاه أحد مما صار مستعملا ومثلا سائرا . " وقد حدد الجاحظ أسلوب الحكمة عند النبي صلى الله عليه وسلم بأنه : " الكلام
الذي قل حروفه ، وكثر عدد معانيه ، وجل عن الصنعة ، ونزه عن التكلف " ومن الأمثال لكلامه صلى الله عليه وسلم :
يا خيل الله اركبي - مات حتف أنفه - الان حمي الوطيس - لا يلسع المؤمن من جحر مرتين - الخيل معقود بنواصيها
الخيل - رأس العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس - إنما الأعمال بالنيات