لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلسوا إليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال
ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة ، يا معشر
قريش أطيعوني واجعلوها بي . خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله
الذي سمعت نبأ [ عظيم ] ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب
فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به . قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه .
قال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم ( 1 ) . ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب
يمدح فيه عتبة .
وقال البيهقي ( 2 ) : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن
الفضل الادمي بمكة ، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي ، حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا
المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر . قال : لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على
عتبة بن ربيعة ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) أتى أصحابه فقال لهم : يا قوم أطيعوني في هذا
الامر اليوم ، واعصوني فيما بعده ، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما
مثله ، وما دريت ما أرد عليه . وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه . ثم روى البيهقي عن
الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري . قال :
حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
يصلي بالليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ،
فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم
لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا حتى إذا كانت
الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا
فجمعهم الطريق ، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا ، فلما كانت الليلة الثالثة
أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق ، فقالوا
لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود . فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا ، فلما أصبح الأخنس بن شريق
أخذه عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من
محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها [ وأشياء لا أعرفها ولا
أعرف ما يراد بها ] ( 3 ) فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل
فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال ماذا سمعت ، تنازعنا
هامش
( 1 ) الخبر في سيرة ابن هشام ج 1 / 314 ودلائل البيهقي 2 / 204 - 205 وما بين معقوفتين في الحديث من السيرة
والدلائل .
( 2 ) دلائل البيهقي 2 / 206 .
( 3 ) ما بين معقوفتين سقط من الأصل والدلائل واستدرك لمقتضى السياق من الاكتفاء للكلاعي .