الشيخ في الكلام ، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله ، ولا بقريب منه ، وبالغ في التشنيع على
من يوافق في ذلك . وقال للسلطان : حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه
أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية ، فاذكر نعمة الله عليك إذ رد ملكك إليك ، وكبت عدوك
ونصرك على أعدائك فذكر أن الجاشنكير هو الذي جدد عليهم ذلك ، فقال : والذي فعله
الجاشنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبا لك ، فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على
ذلك ، وجرت فصول يطول ذكرها . وقد كان السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين ، ودينه
وزينته وقيامه بالحق وشجاعته ، وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من
الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جالسا فيه ، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض
القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه ، وأخرج له فتاوى بعضهم عزله من الملك ومبايعة الجاشنكير ،
وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضا ، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم ، وإنما كان
حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير ، ففهم الشيخ مراد السلطان
فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء ، وينكر أن ينال أحدا منهم بسوء ، وقال له : إذا قتلت هؤلاء لا
تجد بعدهم مثلهم ، فقال له إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارا ، فقال الشيخ من آذاني فهو في
حل ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه ، وأنا لا أنتصر لنفسي ، وما زال به حتى حلم عنهم
السلطان وصفح .
قال وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول : ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر
عليه وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا ، ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة
وعاد إلى بث العلم ونشره ، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم
بالكتابة والقول ، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال : قد جعلت الكل في حل ،
وبعث الشيخ كتابا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير ، ويطلب منهم جملة من كتب
العلم التي له ويستعينوا على ذلك بجمال الدين المزي ، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من
الكتب التي أشار إليها ، وقال في هذا الكتاب : والحق كل ماله في علو وازدياد وانتصار ، والباطل
في انخفاض وسفول واضحلال ، وقد أذل الله رقاب الخصوم ، وطلب أكابرهم من السلم ما
يطول وصفه ، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الاسلام والسنة ، وما فيه قمع الباطل
والبدعة ، وقد دخلوا تحت ذلك كله وامتنعنا من قبول ذلك منهم ، حتى يظهر إلى الفعل ، فلم نثق
لهم بقول ولا عهد ، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولا ، والمذكور مفعولا ،
ويظهر من عز الاسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم ، وذكر
كلاما طويلا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قمع اليهود والنصارى وذلهم ، وتركهم على ما هم
عليه من الذلة والصغار والله سبحانه أعلم .
البداية والنهاية — صفحة 61
مساهمون: ابن كثير
ص٦١