واستفكوا من ديوان الاسرى بنحو من ستين ألفا ، وكثرت الأدعية لمن كان السبب في ذلك . وفي
ثامن شوال خرج الركب الشامي إلى الحجاز وأميره سيف الدين بالبان المحمدي ، وقاضيه بدر
الدين محمد بن محمد قاضي حران . وفي شوال وصل تقليد قضاء الشافعية بدمشق لبدر الدين ابن
قاضي القضاة بن عز الدين الصائغ والخلعة معه ، فامتنع من ذلك أشد الامتناع ، وصمم ، وألح
عليه الدولة فلم يقبل وكثر بكاؤه وتغير مزاجه واغتاظ ، فلما أصر على ذلك راجع تنكز السلطان في
ذلك ، فلما كان شهر ذي القعدة اشتهر تولية علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي ( 1 ) قضاء
الشام ، فسار إليها من مصر وزار القدس ودخل دمشق يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة ،
فاجتمع بنائب السلطنة ولبس الخلعة وركب مع الحجاب والدولة إلى العادلية ، فقرئ تقليده بها
وحكم بها على العادة ، وفرح الناس به وبحسن سمته وطيب لفظه وملاحة شمائله وتودده ، وولي
بعده مشيخة الشيوخ بمصر مجد الدين الاقصرائي الصوفي شيخ سرياقوس .
وفي يوم السبت ثالث عشرين ذي القعدة لبس القاضي محيي الدين بن فضل الله الخلعة
بكتابة السر عوضا عن ابن الشهاب محمود ، واستمر ولده شرف الدين في كتابة الدست ( 2 ) . وفي
هذه السنة تولى قضاء حلب عوضا عن ابن الزملكاني القاضي فخر الدين البازري . وفي العشر
الأول من ذي الحجة كمل ترخيم الجامع الأموي أعني حائطه الشمالي وجاء تنكز حتى نظر إليه
فأعجبه ذلك ، وشكر ناظره تقي الدين بن مراجل . وفي يوم الأضحى جاء سيل عظيم إلى مدينة
بلبيس فهرب أهلها منها وتعطلت الصلاة والأضاحي فيها ، ولم ير مثله من مدة سنين متطاولة ،
وخرب شيئا كثيرا من حواضرها وبساتينها فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الأمير أبو يحيى
زكريا بن أحمد بن محمد بن عبد الواحد أبي حفص الهنتاني الجياني ( 3 ) المغربي ، أمير بلاد
المغرب . ولد بتونس قبل سنة خمسين وستمائة ، وقرأ الفقه والعربية ، وكان ملوك تونس تعظمه
وتكرمه ، لأنه من بيت الملك والامرة والوزارة . ثم بايعه أهل تونس على الملك في سنة إحدى
عشرة وسبعمائة ، وكان شجاعا مقداما ، وهو أول من أبطل ذكر ابن التومرت من الخطبة ، مع أن
هامش
( 1 ) القونوي : نسبة إلى مدينة قونية بآسيا الصغرى ، وتوفي سنة 729 ه .
( 2 ) وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 458 انه تم عزل محيي الدين عن كتابة السر ، واستقر بها شرف الدين بن الشهاب
محمود .
( 3 ) كذا بالأصل ، وفي شذرات الذهب 6 / 76 وتذكرة النبيه 2 / 176 : اللحياني .