التتر وعاد بعد يومين ولم يتفق اجتماعه به ، حجبه عنه الوزير سعد الدين والرشيد مشير الدولة
المسلماني ابن يهودي ، والتزما له بقضاء الشغل ، وذكرا له أن التتر لم يحصل لكثير منهم شئ إلى
الآن ، ولا بد لهم من شئ ، واشتهر بالبلد أن التتر يريدون دخول دمشق فانزعج الناس لذلك
وخافوا خوفا شديدا ، وأرادوا الخروج منها والهرب على وجوههم ، وأين الفرار ولات حين مناص ،
وقد أخذ من البلد فوق العشرة آلاف فرس ، ثم فرضت أموال كثيرة على البلد موزعة على أهل
الأسواق كل سوق بحسبه من المال ، فلا قوة إلا بالله . وشرع التتر في عمل مجانيق بالجامع ليرموا بها
القلعة من صحن الجامع ، وغلقت أبوابه ونزل التتار في مشاهده يحرسون أخشاب المجانيق ، وينهبون
ما حوله من الأسواق ، وأحرق أرجوان ما حول القلعة من الأبنية ، كدار الحديث الأشرفية وغير
ذلك ، إلى حد العادلية الكبيرة ، وأحرق دار السعادة لئلا يتمكنوا من محاصرة القلعة من أعاليها ،
ولزم الناس منازلهم لئلا يسخروا في طم الخندق ، وكانت الطرقات لا يرى بها أحد إلا القليل ،
والجامع لا يصلي فيه أحد إلا اليسير ، ويوم الجمعة لا يتكامل فيه الصف الأول وما بعده إلا بجهد
جهيد ، ومن خرج من منزله في ضرورة يخرج بثياب زيهم ثم يعود سريعا ، ويظن أنه لا يعود إلى
أهله ، وأهل البلد قد أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
والمصادرات والتراسيم والعقوبات عمالة في أكابر أهل البلد ليلا ونهارا ، حتى أخذ منهم شئ
كثير من الأموال والأوقاف ، كالجامع وغيره ، ثم جاء مرسوم بصيانة الجامع وتوفير أوقافه وصرف ما
كان يؤخذ بخزائن السلاح وإلى الحجاز ، وقرئ ذلك المرسوم بعد صلاة الجمعة بالجامع في تاسع
عشر ( 1 ) جمادى الأولى ، وفي ذلك اليوم توجه السلطان قازان وترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل
نحو بلاد العراق ، وجاء كتابه إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل ، وفي عزمنا العود إليها في
زمن الخريف ، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها ، وقد أعجزتهم القلعة أن يصلوا إلى حجر منها ،
وخرج سيف الدين قبجق لتوديع قطلوشاه نائب قازان وسار وراءه وضربت البشائر بالقلعة فرحا
لرحيلهم ، ولم تفتح القلعة ، وأرسل أرجواش ثاني يوم من خروج قبجق القلعية إلى الجامع فكسروا
أخشاب المنجنيقات المنصوبة به ، وعادوا إلى القلعة سريعا سالمين ، واستصحبوا معهم جماعة ممن
كانوا يلوذون بالتتر قهرا إلى القلعة ، منهم الشريف القمي ، وهو شمس الدين محمد بن محمد بن
أحمد بن أبي القاسم المرتضى العلوي ، وجاءت الرسل من قبجق إلى دمشق فنادوا بها طيبوا أنفسكم
وافتحوا دكاكينكم وتهيئوا غدا لتلقي سلطان الشام سيف الدين قبجق ، فخرج الناس إلى أماكنهم
فأشرفوا عليها فرأوا ما بها من الفساد والدمار ، وانفك رؤساء البلد من التراسيم بعد ما ذاقوا شيئا
كثيرا .
قال الشيخ علم الدين البرزالي : ذكر لي الشيخ وجيه الدين بن المنجا أنه حمل إلى خزانة قازان
هامش
( 1 ) في السلوك 1 / 895 : ثاني عشر ( انظر بدائع الزهور 1 / 1 / 404 ) .