تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
الشَّهْرِ وَضِيقِ الْحَالِ . فَفَكَّرَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لِي : ارْفَعْ ثِنْيَ الْوِسَادَةِ فَخُذِ الْكَيْسَ . فَخُذْ نِصْفَهُ وَأَعْطِنَا نِصْفَهُ . فَإِذَا كِيسِي بِعَيْنِهِ . فَأَخَذْتُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةٍ وَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَدَعَوْتُ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ يَلِي شِرَاءَ حَوَائِجِي فَقُلْتُ لَهُ : اكْتُبْ خَمْسَةَ أَقْفِزَةِ دَقِيقٍ . فَكَتَبَ لِي جَمِيعَ مَا أَرَدْتُ مِنْ حَوَائِجِي . فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا أَنَا بِدَاقٍّ يَدُقُّ الْبَابَ فَقُلْتُ لِلْخَادِمِ : انْظُرِي مَنْ هَذَا . فَخَرَجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ فَقَالَتْ : خَادِمٌ نَبِيلٌ . فَقُلْتُ لَهَا : ائْذَنِي لَهُ . فَنَزَلَ فَإِذَا كِتَابٌ مِنْ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ يَسْأَلُنِي الْمَصِيرَ إِلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ . فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ : اخْرُجْ . وَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَرَكِبْتُ دَابَّتِي ثُمَّ مَضَيْتُ مَعَ الْخَادِمِ فَأَتَيْتُ مَنْزِلَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ . رَحِمَهُ اللَّهُ . فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي صَحْنِ دَارِهِ . فَلَمَّا رَآنِي وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ رَحَّبَ وَقَرَّبَ وَقَالَ : يَا غُلامُ مِرْفَقَةً . فَقَعَدْتُ إِلَى جَانِبِهِ فَقَالَ لِي : أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَدْرِي لِمَ دَعَوْتُكَ ؟ قُلْتُ : لا . فَقَالَ : أَسْهَرَتْنِي لَيْلَتِي هَذِهِ فِكْرَةً فِي أَمْرِكَ وَوُرُودِ هَذَا الشَّهْرِ وَمَا عِنْدَكَ . فَقُلْتُ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْوَزِيرَ ! إِنَّ قِصَّتِي تَطُولُ . فَقَالَ لِي : إِنَّ الْقِصَّةَ كُلَّمَا طَالَتْ كَانَ أَشْهَى لَهَا . فَخَبَّرْتُهُ بِحَدِيثِ أم عَبْدِ اللَّهِ وَحَدِيثِ إِخْوَانِي الثَّلاثَةِ وَمَا كَانَ مِنْ رَدِّهَا لَهُمْ . وَخَبَّرْتُهُ بِحَدِيثِ الطَّالِبِيِّ وَخَبَرِ أَخِي الثَّانِي الْمُوَاسِي لَهُ بِالْكِيسِ . فَقَالَ : يَا غُلامُ دَوَاةً . فَكَتَبَ رُقْعَةً إِلَى خَازِنِهِ . فَإِذَا كِيسٌ فِيهِ خَمْسُمِائَةُ دِينَارٍ . فَقَالَ لِي : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اسْتَعِنْ بِهَذَا عَلَى شَهْرِكَ . ثُمَّ رَفَعَ رُقْعَةً إِلَى خَازِنِهِ فَإِذَا صُرَّةٌ فِيهَا مِائَتَا دِينَارٍ فَقَالَ : هَذَا لأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ لِجَزَالَتِهَا وَحُسْنِ عَقْلِهَا . ثُمَّ رَفَعَ رُقْعَةً أُخْرَى فَإِذَا مِائَتَا دِينَارٍ فَقَالَ : هَذَا لِلطَّالِبِيِّ . ثُمَّ رَفَعَ رُقْعَةً أخرى فَإِذَا صُرَّةٌ فِيهَا مِائَتَا دِينَارٍ فَقَالَ : هَذَا لِلْمُوَاسِي لَكَ . ثُمَّ قَالَ لِي : انْهَضْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي حِفْظِ اللَّهِ . قَالَ فَرَكِبْتُ مِنْ فَوْرِي فَأَتَيْتُ صَاحِبِي الَّذِي وَاسَانِي بِالْكَيْسِ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْمِائَتَيْ دِينَارٍ وَخَبَّرْتُهُ بِخَبَرِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ . فَكَادَ يَمُوتُ فَرِحًا . ثُمَّ أَتَيْتُ الطَّالِبِيَّ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الصُّرَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ . فَدَعَا وَشَكَرَ . ثُمَّ دَخَلْتُ مَنْزِلِي فَدَعَوْتُ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ فَدَفَعْتُ إِلَيْهَا الصُّرَّةَ فَدَعَتْ وَجَزَتْ خَيْرًا . فَكَيْفَ أُلامُ عَلَى حُبِّ الْبَرَامِكَةِ . يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ خَاصَّةً ؟ وَتُوُفِّيَ وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَمَاعَةَ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْقَضَاءِ بِبَغْدَادَ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ . وَأَوْصَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَبِلَ وَصِيَّتَهُ وَقَضَى دَيْنَهُ . وَكَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ يَوْمَ مَاتَ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : أَخْبَرَنِي أَنَّهُ وُلِدَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثلاثين ومائة .