تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
درهما . فوالله مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَخْلاقِهِمْ فَكَيْفَ أُلامُ عَلَى حُبِّي لِيَحْيَى بْنِ خَالِدٍ ؟ وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُسَبِّحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ جَالِسًا إِذْ ذَكَرَ يَحْيَى بْنَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ . قَالَ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ الْوَاقِدِيُّ فَأَكْثَرَ التَّرَحُّمَ . قَالَ فَقُلْنَا لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُكْثِرُ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَكَيْفَ لا أَتَرَحَّمُ عَلَى رَجُلٍ أُخْبِرُكَ عَنْ حَالِهِ ؟ كَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَمَا فِي الْمَنْزِلِ دَقِيقٌ وَلا سَوِيقٌ وَلا عَرَضٌ مِنْ عُرُوضِ الدُّنْيَا . فَمَيَّزْتُ ثَلاثَةً مِنْ إِخْوَانِي فِي قَلْبِي فَقُلْتُ أُنْزِلُ بِهِمْ حَاجَتِي . فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ وَهِيَ زَوْجَتِي فَقَالَتْ : مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ عَرَضٌ مِنْ عُرُوضِ الدُّنْيَا مِنْ طَعَامْ أَوْ سَوِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الشَّهْرُ ؟ فَقُلْتُ لَهَا : قَدْ مَيَّزْتُ ثَلاثَةً مِنْ إِخْوَانِي أُنْزِلُ بِهِمْ حَاجَتِي . فَقَالَتْ : مَدَنِيُّونَ أَوْ عِرَاقِيُّونَ ؟ قَالَ قُلْتُ : بَعْضٌ مَدِينِيٌّ وَبَعْضٌ عِرَاقِيٌّ . فَقَالَتِ : اعْرِضْهُمْ عَلَيَّ . فَقُلْتُ لَهَا : فُلانٌ . فَقَالَتْ : رَجُلٌ حَسِيبٌ ذُو يَسَارٍ إِلا أَنَّهُ مَنَّانٌ لا أَرَى لَكَ أَنْ تَأْتِيَهُ . فَسَمِّ الآخَرَ . فَسَمَّيْتُ الآخَرَ فَقُلْتُ : فُلانٌ . فَقَالَتْ : رَجُلٌ حَسِيبٌ ذُو مَالٍ إِلا أَنَّهُ بِخَيْلٌ لا أَرَى لَكَ أَنْ تَأْتِيَهُ . قَالَ فَقُلْتُ فُلانٌ . فَقَالَتْ : رَجُلٌ كَرِيمٌ حَسِيبٌ لا شَيْءَ عِنْدَهُ وَلا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَهُ . قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَاسْتَفْتَحْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ فَأَذِنَ لِي عَلَيْهِ فَدَخَلْتُ . فَرَحَّبَ وَقَرَّبَ وَقَالَ لي : ما جاء بك أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِوُرُودِ الشَّهْرِ وَضِيقِ الْحَالِ . قَالَ فَفَكَّرَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لِي : ارْفَعْ ثِنْيَ الْوِسَادَةِ فَخُذْ ذَلِكَ الْكِيسَ فَطَهِّرْهُ وَاسْتَنْفِقْهُ . فَإِذَا هِيَ دَرَاهِمُ مُكَحَّلَةٌ . فَأَخَذْتُ الْكِيسَ وَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَدَعَوْتُ رَجُلا كَانَ يَتَوَلَّى شِرَاءَ حَوَائِجِي فَقُلْتُ : اكْتُبْ مِنَ الدَّقِيقِ عَشَرَةَ أَقْفِزَةً . وَمِنَ الأُرْزِ قَفِيزًا . وَمِنَ السُّكَّرِ كَذَا . حَتَّى قَصَّ جَمِيعَ حَوَائِجِهِ . فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْتُ دَقَّ الْبَابِ فَقُلْتُ : انْظُرُوا مَنْ هَذَا . فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ : هَذَا فُلانُ بْنُ فُلانِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . فَقُلْتُ : ائْذَنِي لَهُ . فَقُمْتُ لَهُ عَنْ مَجْلِسِي وَرَحَّبْتُ بِهِ وَقَرَّبْتُ وَقُلْتُ لَهُ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ ؟ فَقَالَ لِي : يَا عَمِّ أَخْرَجَنِي وُرُودُ هَذَا الشَّهْرِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا شَيْءٌ . فَفَكَّرْتُ سَاعَةً ثُمَّ قُلْتُ لَهُ : ارْفَعْ ثِنْيَ الْوِسَادَةِ فَخُذِ الْكَيْسَ بِمَا فِيهِ . فَأَخَذَ الْكَيْسَ . ثُمَّ قُلْتُ لِصَاحِبِي : اخْرُجْ . فَخَرَجَ . فَدَخَلَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ لي : مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَةِ الْفَتَى ؟ فَقُلْتُ لَهَا : دفعت إليه الكيس بأسره . فقالت : وُفِّقْتَ وَأَحْسَنْتَ . ثُمَّ فَكَّرْتُ فِي صِدِّيقٍ لِي بِقُرْبِ الْمَنْزِلِ فَانْتَعَلْتُ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَدَقَقْتُ الْبَابَ فَأَذِنَ لِي . فَدَخَلْتُ فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَرَحَّبَ وَقَرَّبَ ثم قال لي : ما جاء بك أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَخَبَّرْتُهُ بِوُرُودِ