الشيخ العمادي أصغر من أخيه الحافظ عبد الغني بسنتين ، وقدم مع الجماعة إلى دمشق سنة
إحدى وخمسين وخمسمائة ، ودخل بغداد مرتين وسمع الحديث وكان عابدا زاهدا ورعا كثير
الصيام ، يصوم يوما ويفطر يوما ، وكان فقيها مفتيا ، وله كتاب الفروع وصنف أحكاما ولم يتمه ،
وكان يؤم بمحراب الحنابلة مع الشيخ الموفق ، وإنما كانوا يصلون بغير محراب ، ثم وضع المحراب
في سنة سبع عشرة وستمائة ، وكان أيضا يؤم بالناس لقضاء الفوائت ، وهو أول من فعل ذلك .
صلى المغرب ذات ليلة وكان صائما ثم رجع إلى منزله بدمشق فأفطر ثم مات فجأة ، فصلي عليه
بالجامع الأموي ، صلى عليه الشيخ الموفق عند مصلاهم ، ثم صعدوا به إلى السفح ، وكان يوم
موته يوما مشهودا من كثرة الناس . قال سبط ابن الجوزي كان الخلق من الكهف إلى مغارة الدم
إلى المنطور لو بذر السمسم ما وقع إلا على رؤوس الناس ، قال فلما رجعت تلك الليلة فكرت فيه
وفي جنازته وكثرة من شهدها وقلت : هذا كان رجلا صالحا ولعله أن يكون نظر إلى ربه حين وضع
في قبره ، ومر بذهني أبيات الثوري التي أنشدها بعد موته في المنام :
نظرت إلى ربي كفاحا فقال لي * هنيئا رضائي عنك يا بن سعيد
لقد كنت قواما إذا أظلم الدجى * بعبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصر أردته * وزرني فإني عنك غير بعيد
ثم قلت أرجو أن يكون العماد رأى ربه كما رآه الثوري ، فنمت فرأيت الشيخ العماد في المنام
وعليه حلة خضراء وعمامة خضراء ، وهو في مكان متسع كأنه روضة ، وهو يرقى في درج متسعة ،
فقلت : يا عماد الدين كيف بت فإني والله مفكر فيك ؟ فنظر إلي وتبسم على عادته التي كنت أعرفه
فيها في الدنيا ثم قال :
رأيت إلهي حين أنزلت حفرتي * وفارقت أصحابي وأهلي وجيرتي
وقال : جزيت الخير عني فإنني * رضيت فها عفوي لديك ورحمتي
دأبت زمانا تأمل العفو والرضا * فوقيت نيراني ولقيت جنتي
قال فانتبهت وأنا مذعور وكتبت الأبيات والله أعلم .
القاضي جمال الدين ابن الحرستاني
عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل أبو القاسم الأنصاري ابن الحرستاني قاضي القضاة
بدمشق ولد سنة عشرين وخمسمائة ، وكان أبوه من أهل حرستان ، فنزل داخل باب توما وأم
بمسجد الزينبي ونشأ ولده هذا نشأة حسنة سمع الحديث الكثير وشارك الحافظ ابن عساكر في كثير
من شيوخه ، وكان يجلس للاسماع بمقصورة الخضر ، وعندها كان يصلي دائما لا تفوته الجماعة