فاجتاز بالشام فاجتمع في مجلس الوزير الصفي هو والشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي شيخ اللغة
والحديث ، فأورد ابن دحية في كلامه حديث الشفاعة حتى انتهى إلى قول إبراهيم عليه السلام
" إنما كنت خليلا من وراء وراء " بفتح اللفظتين ، فقال الكندي من وراء وراء بضمهما ، فقال ابن
دحية للوزير ابن شكر : من هذا ؟ فقال : هذا أبو اليمن الكندي ، فنال منه ابن دحية ، وكان
جريئا ، فقال الكندي : هو من كلب ينبح كما ينبح الكلب . قال أبو شامة : وكلتا اللفظتين
محكية ، وحكى فيهما الجر أيضا . وفيها عاد فخر الدين ابن تيمية خطيب من حران من الحج إلى
بغداد وجلس بباب بدر للوعظ ، مكان محيي الدين يوسف بن الجوزي ، فقال في كلامه ذلك :
وابن اللبون إذا ما لز في قرن * لم يستطع صولة البزل القناعيس
كأنه يعرض بابن الجوزي يوسف ، لكونه شابا ابن خمس وعشرين سنة والله أعلم .
وفي يوم الجمعة تاسع محرم دخل مملوك إفرنجي من باب مقصورة جامع دمشق وهو سكران وفي
يده سيف مسلول ، والناس جلوس ينتظرون صلاة الفجر ، فمال على الناس يضربهم بسيفه فقتل
اثنين أو ثلاثة ، وضرب المنبر بسيفه فانكسر سيفه فأخذ وأودع المارستان ، وشنق في يومه ذلك على
جسر اللبادين .
وفيها عاد الشيخ شهاب الدين السهروردي من دمشق بهدايا الملك العادل فتلقاه الجيش ومعه
أموال كثيرة أيضا لنفسه ، وكان قبل ذلك فقيرا زاهدا ، فلما عاد منع من الوعظ وأخذت منه الربط
التي يباشرها ، ووكل إلى ما بيده من الأموال ، فشرع في تفريقها على الفقراء والمساكين ، فاستغنى منه
خلق كثير ، فقال المحيي ابن الجوزي في مجلس وعظه : لا حاجة بالرجل يأخذ أموالا من غير حقها
ويصرفها إلى من يستحقها ، ولو ترك على ما كان تركها أولى به من تناولها ، وإنما أراد أن ترتفع منزلته
ببذلها . ويعود على حاله كما كان مباشره لما بذلها ، فليحذر العبد الدنيا فإنها خداعة غرارة تسترق
فحول العلماء والعباد ، وقد وقع ابن الجوزي فيما بعد فيما وقع فيه السهروردي وأعظم . وفيها
قصدت الفرنج حمص وعبروا على العاصي يجسر عدوة ، فلما عرف بهم العساكر ركبوا في آثارهم
فهربوا منهم فقتلوا خلقا كثيرا منهم وغنم المسلمون منهم غنيمة جيدة ولله الحمد .
وفيها قتل صاحب الجزيرة ، وكان من أسوأ الناس سيرة وأخبثهم سريرة ، وهو الملك سنجر
شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكي ، ابن عم نور الدين صاحب الموصل ، وكان
الذي تولى قتله ولده غازي ، توصل إليه حتى دخل عليه وهو في الخلاء سكران ، فضربه بسكين أربع
عشرة ضربة ، ثم ذبحه ، وذلك كله ليأخذ الملك من بعده فحرمه الله إياه ، فبويع بالملك لأخيه
محمود وأخذ غازي القاتل فقتله من يومه ، فسلبه الله الملك والحياة ، ولكن أراح الله المسلمين من
ظلم أبيه وغشمه وفسقه .
وفيها توفي من الأعيان :
البداية والنهاية — صفحة 62
مساهمون: ابن كثير
ص٦٢