وعندهم من ذلك شئ سوى هاون ، فوقف سائل ببابه فألح في الطلب فأخرج إليه الهاون فقال :
خذ هذا وكل به ثلاثين يوما ، ولا تسأل الناس ولا تشنع على الله عز وجل . هذا الرجل من خيار
الصالحين ، والمقصود أنه قال لأخيه أبي منصور : ويحك أنت تدور في الأسواق وتنشد الاشعار
وأخوك من قد عرفت ؟ فأنشأ يقول في جواب ذلك بيتين مواليا من شعره على البديهة :
قد خاب من شبه الجزعة إلى درة * وقاس قحبة إلى مستحيية حره
أنا مغني وأخي زاهد إلى مرة * في الدر ببرى ذي حلوة وذي مره
وقد جرى عنده مرة ذكر قتل عثمان وعلي حاضر ، فأنشأ يقول كان وكان ، ومن قتل في جواره
مثل ابن عفان فاعتذر ، يجب عليه أن يقبل في الشام عذر يزيد ، فأرادت الروافض قتله فاتفق أنه
بعض الليالي يسحر الناس في رمضان إذ مر بدار الخليفة فعطس الخليفة في الطارقة فشمته أبو منصور
هذا من الطريق ، فأرسل إليه مائة دينار ، ورسم بحمايته من الروافض ، إلى أن مات في هذه السنة
رحمه الله . وفيها توفي مسند الشام :
أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر
الخشوعي ، شارك ابن عساكر في كثير من مشيخته ، وطالت حياته بعد وفاته بسبع وعشرين
سنة فألحق فيها الأحفاد بالأجداد ( 1 ) .
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة
فيها شرع الشيخ أبو عمر محمد بن قدامة باني المدرسة بسفح قايسون ( 2 ) ، في بناء المسجد
الجامع بالسفح ، فاتفق عليه رجل يقال له الشيخ أبو داود محاسن الغامي ، حتى بلغ البناء مقدار
قامة فنفد ما عنده ، وما كان معه من المال ، فأرسل الملك المظفر كوكري بن زين الدين صاحب
إربل مالا جزيلا ليتمه به ، فكمل وأرسل ألف دينار ليساق بها إليه الماء من بردى ، فلم يمكن من
ذلك الملك المعظم صاحب دمشق ، واعتذر بأن هذا فرش قبور كثيرة للمسلمين ، فصنع له بئر
وبغل يدور ، ووقف عليه وقفا لذلك . وفيها كانت حروب كثيرة وخطوب طويلة بين الخوارزمية
والغورية ببلاد المشرق بسطها ابن الأثير ( 3 ) واختصرها ابن كثير . وفيها درس بالنظامية مجد الدين
هامش
( 1 ) كذا ذكر المؤلف وفاته في هذه السنة ووافقه أبو شامة في ( الذيل 28 ) . وفي وفيات الأعيان : 1 / 269 ذكر وفاته في 27
صفر سنة 598 وكذا ذكره الذهبي في العبر قال : توفي في سابع صفر ( 4 / 302 ) .
( 2 ) كذا بالأصل والمشهور : قاسيون .
( 3 ) انظر الكامل 12 / 173 وما بعدها : في أحداث سنة 598 ه .