برأيه ومكاشفات صحيحة مطابقة ، إما رحمانية أو شيطانية ، أو حال أو سعادة ، لكنه افتتن لما
خالط الناس ببعض بنات الامراء ، وكن لا يحتجبن منه ، فوقع في الفتنة . وهذا في الغالب واقع
في مخالطة الناس فلا يسلم المخالط لهم من الفتنة ، ولا سيما مخالطة النساء مع ترك الأصحاب ، فلا
يسلم العبد البتة منهن . فلما وقع ما وقع فيه حوقق عند السلطان وتيسرى وقلاوون والفارس
إقطاي الأتابك ، فاعترف ، فهم بقتله فقال له : إنما بيني وبينك أيام قلائل ، فأمر بسجنه فسجن
سنين عديدة من سنة إحدى وسبعين إلى سنة ست وسبعين ، وقد هدم بالقدس كنيسة وذبح
قسيسها وعملها زاوية وقد قدمنا ترجمته قبل ذلك فيما تقدم ، ثم لم يزل مسجونا حتى مات في يوم
الخميس سادس المحرم من هذه السنة ، فأخرج من القلعة وسلم إلى قرابته فدفن في تربة أنشأها في
زاويته . مات وهو في عشر الستين ، وقد كان يكاشف السلطان في أشياء ، وإليه تنسب قبة الشيخ
خضر التي على الجبل غربي الربوة ، وله زاوية بالقدس الشريف ( 1 ) .
الشيخ محيي الدين النووي
يحيى بن شرف بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الحازمي العالم ، محيي الدين أبو زكريا
النووي ثم الدمشقي الشافعي العلامة شيخ المذهب ، وكبير الفقهاء في زمانه ، ولد بنوى سنة
إحدى وثلاثين وستمائة ، ونوى قرية من قرى حوران ، وقد قدم دمشق سنة تسع وأربعين ، وقد
حفظ القرآن فشرع في قراءة التنبيه ، فيقال إنه قرأه في أربعة أشهر ونصف ، وقرأ ربع العبادات من
المذهب في بقية السنة ، ثم لزم المشايخ تصحيحا وشرحا ، فكان يقرأ في كل يوم اثنا عشر درسا
على المشايخ ، ثم اعتنى بالتصنيف فجمع شيئا كثيرا ، منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله ، فمما كمل
شرح مسلم والروضة والمنهاج والرياض والأذكار والتبيان ، وتحرير التنبيه وتصحيحه ، وتهذيب
الأسماء واللغات ، وطبقات الفقهاء وغير ذلك . ومما لم يتممه ولو كمل لم يكن له نظير في بابه :
شرح المهذب الذي سماه المجموع ، وصل فيه إلى كتاب الربا ، فأبدع فيه وأجاد وأفاد ، وأحسن
الانتقاد ، وحرر الفقه فيه في المذهب وغيره ، وحرر الحديث على ما ينبغي ، والغريب واللغة
وأشياء مهمة لا توجد إلا فيه ، وقد جعله نخبة على ما عن له ولا أعرف في كتب الفقه أحسن منه ،
على أنه محتاج إلى أشياء كثيرة تزاد فيه وتضاف إليه ، وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري
والانجماح عن الناس على جانب كبير ، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره ، وكان يصوم الدهر
ولا يجمع بين إدامين ، وكان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى ، وقد باشر تدريس الاقبالية
نيابة عن ابن خلكان ، وكذلك ناب في الفلكية والركنية ، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية ،
وكان لا يضيع شيئا من أوقاته ، وحج في مدة إقامته بدمشق ، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
هامش
( 1 ) تقدمت ترجمته ، وقد ذكر المؤلف وفاته في سنة 671 ه . انظر حاشية رقم 3 صفحة 309 .