وخمسين وستمائة ، فيكون عمره يوم قتل سبعا وأربعين سنة رحمه الله تعالى . وقد كان حسن
الصورة جيد السريرة ، صحيح العقيدة مقتديا بأبيه المستنصر في المعدلة وكثرة الصدقات وإكرام
العلماء والعباد ، وقد استجاز له الحافظ ابن النجار من جماعة من مشايخ خراسان منهم المؤيد
الطوسي ، وأبو روح عبد العزيز بن محمد الهروي وأبو بكر القاسم بن عبد الله بن الصفار
وغيرهم ، وحدث عنه جماعة منهم مؤدبه شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن علي بن محمد بن
النيار ، وأجاز هو للامام محيي الدين بن الجوزي ، وللشيخ نجم الدين البادرائي ، وحدثا عنه
بهذه الإجازة . وقد كان رحمه الله سنيا على طريقة السلف واعتقاد الجماعة كما كان أبوه وجده ،
ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ ومحبة للمال وجمعه ، ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي
استودعه إياها الناصر داود بن المعظم وكانت قيمتها نحوا من مائة ألف دينار فاستقبح هذا من مثل
الخليفة ، وهو مستقبح ممن هو دونه بكثير ، بل من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ،
كما قال الله تعالى ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ) [ آل عمران :
75 ] .
قتلته التتار مظلوما مضطهدا في يوم الأربعاء رابع عشر صفر من هذه السنة ، وله من العمر
ستة وأربعون سنة وأربعة أشهر . وكانت مدة خلافته خمسة عشر سنة وثمانية أشهر وأياما ( 1 ) ،
فرحمه الله وأكرم مثواه ، وبل بالرأفة ثراه . وقد قتل بعده ولداه وأسر الثالث مع بنات ثلاث من
صلبه ، وشغر منصب الخلافة بعده ، ولم يبق في بني العباس من سد مسده ، فكان آخر الخلفاء من
بني العباس الحاكمين بالعدل بين الناس ، ومن يرتجى منهم النوال ويخشى البأس ، وختموا بعبد
الله المستعصم كما فتحوا بعبد الله السفاح ، بويع له بالخلافة وظهر ملكه وأمره في سنة ثنتين وثلاثين
ومائة ، بعد انقضاء دولة بني أمية كما تقدم بيانه ، وآخرهم عبد الله المستعصم وقد زال ملكه
وانقضت خلافته في هذا العام ، فجملة أيامهم خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة ، وزال ملكهم
عن العراق والحكم بالكلية مدة سنة وشهور في أيام البساسيري بعد الخمسين وأربعمائة ، ثم
عادت كما كانت . وقد بسطنا ذلك في موضعه في أيام القائم بأمر الله ولله الحمد .
ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرة لجميع البلاد
والأقطار والأمصار ، فإنه خرج عن بني العباس بلاد المغرب ، ملكها في أوائل الامر بعض بني أمية
ممن بقي منهم من ذرية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ، ثم تغلب عليه الملوك بعد
دهور متطاولة كما ذكرنا ، وقارن بني العباس دولة المدعين أنهم من الفاطميين ببلاد مصر وبعض
بلاد المغرب ، وما هنالك ، وبلاد الشام في بعض الأحيان والحرمين في أزمان طويلة وكذلك أخذت
من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر ، وتداولتها الملوك دولا بعد دول ، حتى لم يبق مع الخليفة
هامش
( 1 ) تقدم التعليق على مدة خلافته ومقدار عمره عند وفاته . انظر هوامش صفحة 236 .