وفيها توفيت :
الست عذراء بنت شاهنشاه
ابن أيوب ، ودفنت بمدرستها داخل باب النصر ، والست خاتون والدة الملك العادل ،
ودفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه .
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة
فيها جمعت الفرنج جموعها وأقبلوا فحاصروا تبنين ، فاستدعى العادل بني أخيه لقتالهم ،
فجاءه العزيز من مصر ، والأفضل من صرخند ( 1 ) ، فأقلعت الفرنج عن الحصن وبلغهم موت
ملك الألمان فطلبوا من العادل الهدنة والأمان ، فهادنهم ورجعت الملوك إلى أماكنها ، وقد عظم
المعظم عيسى بن العادل في هذه المرة ، واستنابه أبوه على دمشق ، وسار إلى ملكه بالجزيرة ،
فأحسن فيهم السيرة ، وكان قد توفي في هذه السنة السلطان صاحب سنجار وغيرها من المدائن
الكبار ، وهو عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الأتابكي ، كان من خيار الملوك وأحسنهم
شكلا وسيرة ، وأجودهم طوية وسريرة ، غير أنه كان يبخل ، وكان شديد المحبة للعلماء ، ولا سيما
الحنفية ، وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار ، وشرط لهم طعاما يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم ،
وهذا نظر حسن ، والفقيه أولى بهذه الحسنة من الفقير ، لاشتغال الفقيه بتكراره ومطالعته عن
الفكر فيما يقيته ، فعدى على أولاده ابن عمه صاحب الموصل ، فأخذ الملك منهم ، فاستغاث بنوه
بالملك العادل ، فرد فيهم الملك ودرأ عنهم الضيم ، واستقرت بالمملكة لولده قطب الدين محمد ،
ثم سار الملك إلى ماردين فحاصرها في شهر رمضان ، فاستولى على ريفها ومعاملتها ، وأعجزته
قلعتها ، فطاف عليها ومشى ، وما ظن أحد أنه تملكها ، لان ذلك لم يكن مثبوتا ولا مقدارا .
وفيها ملكت الخزر مدينة بلخ وكسروا الخطأ وقهروهم ، وأرسل الخليفة إليهم أن يمنعوا
خوارزم شاه من دخول العراق ، فإنه كان يروم أن يخطب له ببغداد . وفيها حاصر خوارزم شاه
مدينة بخارى ففتحها بعد مدة ، وقد كانت امتنعت عليه دهرا ونصرهم الخطأ ، فقهرهم جميعا
وأخذها عنوة ، وعفا عن أهلها وصفح ، وقد كانوا ألبسوا كلبا أعور قباء وسموه خوارزم شاه ،
ورموه في المنجنيق إلى الخوارزمية ، وقالوا هذا مالكم ، وكان خوارزم شاه أعور ، فلما قدر عليهم
عفا عنهم ، جزاه الله خيرا .
هامش
( 1 ) في ابن الأثير ، وابن خلدون 5 / 330 : صرخد ، وفي تاريخ الحروب الصليبية : صلخد .