والصالحية وإلى الصالحين والفقراء والرؤساء وغيرهم ، وكان أكثر جلوسه بمسجد أبي الدرداء الذي
جدده وزخرفه بالقلعة ، وكان ميمون النقيبة ما كسرت له راية قط ، وقد استدعى الزبيدي من
بغداد حتى سمع هو والناس عليه صحيح البخاري وغيره ، وكان له ميل إلى الحديث وأهله ، ولما
توفي رحمه الله رآه بعض الناس وعليه ثياب خضر وهو يطير مع جماعة من الصالحين ، فقال : ما
هذا وقد كنت تعاني الشراب في الدنيا ؟ فقال ذاك البدن الذي كنا نفعل به ذاك عندكم ، وهذه
الروح التي كنا نحب بها هؤلاء فهي معهم ، ولقد صدق رحمه الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المرء مع
من أحب " ( 1 ) وقد كان أوصى بالملك من بعده لأخيه الصالح إسماعيل ( 2 ) ، فلما توفي أخوه ركب في
أبهة الملك ومشى الناس بين يديه ، وركب إلى جانبه صاحب حمص وعز الدين أيبك المعظمي حامل
الغاشية على رأسه ، ثم إنه صادر جماعة من الدماشقة الذي قيل عنهم أنهم مع الكامل ، منهم
العالم تعاسيف وأولاد ابن مزهر وحبسهم ببصرى ، وأطلق الحريري من قلعة عزاز ، وشرط عليه
أن لا يدخل دمشق ، ثم قدم الكامل من مصر وانضاف إليه الناصر داود صاحب الكرك ونابلس
والقدس ، فحاصروا دمشق حصارا شديدا ، وقد حصنها الصالح إسماعيل ، وقطع المياه ورد
الكامل ماء بردى إلى ثورا ، وأحرقت العقيبة وقصر حجاج ، فافتقر خلق كثير واحترق آخرون ،
وجرت خطوب طويلة ، ثم آل الحال في آخر ( 3 ) جمادى الأولى إلى أن سلم الصالح إسماعيل دمشق
إلى أخيه الكامل ، على أن له بعلبك وبصرى ، وسكن الامر ، وكان الصلح بينهما على يدي
القاضي محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي ، اتفق أنه كان بدمشق قد قدم في
رسلية من جهة الخليفة إلى دمشق فجزاه الله تعالى خيرا . ودخل الكامل دمشق وأطلق الفلك بن
المسيري من سجن الحيات بالقلعة الذي كان أودعه فيه الأشرف ، ونقل الأشرف إلى تربته ، وأمر
الكامل في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة أئمة الجامع أن لا يصلي أحد منهم المغرب سوى الإمام الكبير
، لما كان يقع من التشويش والاختلاف بسب اجتماعهم في وقت واحد ، ولنعم ما فعل
رحمه الله . وقد فعل هذا في زماننا في صلاة التراويح ، اجتمع الناس على قارئ واحد وهو الإمام الكبير
في المحراب المقدم عند المنبر ، ولم يبق به إمام يومئذ سوى الذي بالحلبية عند مشهد علي ولو
ترك لكان حسنا والله أعلم .
ذكر وفاة الملك الكامل
محمد بن العادل رحمه الله تعالى . تملك الكامل [ دمشق ] ( 4 ) مدة شهرين ( 5 ) ثم أخذه أمراض
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
( 2 ) وذلك لأنه لم يخلف من الأولاد إلا بنتا واحدة تزوجها الملك الجواد يونس بن مودود بن الملك العادل .
( 3 ) في تاريخ أبي الفداء 3 / 160 : لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى .
( 4 ) من أبي الفداء وابن إياس .
( 5 ) في تاريخ أبي الفداء : لم يلبث غير أيام . وفي بدائع الزهور لابن إياس : فأقام في دمشق مدة يسيرة .