لَا تَصِحُّ فِي الْكَرْمِ ، وَأَهْلُ بُخَارَى اعْتَادُوا الْإِجَارَةَ الطَّوِيلَةَ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْأَشْجَارِ فَاضْطُرُّوا إلَى بَيْعِهَا وَفَاءً .
وَمَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ أَمْرٌ إلَّا اتَّسَعَ حُكْمُهُ ( انْتَهَى ) .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ ، وَلَكِنْ أَفْتَى كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ بِاعْتِبَارِهِ ؛
فَأَقُولُ عَلَى اعْتِبَارِهِ : يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِأَنَّ مَا يَقَعُ فِي بَعْضِ أَسْوَاقِ الْقَاهِرَةِ مِنْ خُلُوِّ الْحَوَانِيتِ لَازِمٌ ، وَيَصِيرُ الْخُلُوُّ فِي الْحَانُوتِ حَقًّا لَهُ ؛ فَلَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ إخْرَاجَهُ مِنْهَا
وَلَا إجَارَتَهَا لِغَيْرِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ وَقْفًا .
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَوَانِيتِ الْجَمَلُونِ بِالْغُورِيَّةِ أَنَّ السُّلْطَانَ الْغُورِيَّ لَمَّا بَنَاهَا أَسْكَنَهَا لِلتُّجَّارِ بِالْخُلُوِّ وَجَعَلَ لِكُلِّ حَانُوتٍ قَدْرًا أَخَذَهُ مِنْهُمْ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ بِمَكْتُوبِ الْوَقْفِوَكَذَا أَقُولُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ ، قَدْ تَعَارَفَ الْفُقَهَاءُ بِالْقَاهِرَةِ النُّزُولَ عَنْ الْوَظَائِفِ بِمَالِ يُعْطَى لِصَاحِبِهَا وَتَعَارَفُوا ذَلِكَ فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ ، وَأَنَّهُ لَوْ نَزَلَ لَهُ وَقَبَضَ مِنْهُ الْمَبْلَغَ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .
وَقَدْ اعْتَبَرُوا عُرْفَ الْقَاهِرَةِ فِي مَسَائِلَ ؛ مِنْهَا مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ دُخُولِ السُّلَّمِ فِي الْبَيْتِ الْمَبِيعِ فِي الْقَاهِرَةِ دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ بُيُوتَهُمْ طَبَقَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِهِ .
وَقَدْ تَمَّتْ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ وَهِيَ سِتٌّ :
الْأُولَى : لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ .
الثَّانِيَةُ : الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا .
الثَّالِثَةُ : الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .
الرَّابِعَةُ : الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ .
الْخَامِسَةُ : الضَّرَرُ يُزَالُ .
السَّادِسَةُ : الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ .
وَالْآنَ نَشْرَعُ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْقَوَاعِدِ فِي قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ
النَّوْعُ الثَّانِيْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ ]
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى : الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ
وَدَلِيلُهَا الْإِجْمَاعُ .
وَقَدْ حَكَمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَسَائِلَ ، وَخَالَفَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهَا ، وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ وَعِلَّتُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الِاجْتِهَادُ الثَّانِي بِأَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ
وَأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ .
وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ : لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الثَّانِيَ كَالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلَا يُنْقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ ( انْتَهَى ) .
لِأَنَّهُ يَكْفِي بِأَنَّ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ
وَلَا حَاجَةَ إلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ السَّبْقِ مَعَ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْعِنَايَةِ عَلَى قَوْلِهِ : إنَّ الْأَوَّلَ تَرَجَّحَ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِلْأَصْلِ بِفَرْعِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَضَاءِ رَأْيُ الْمُجْتَهِدِ فَكَيْفَ يَتَرَجَّحُ بِالْقَضَاءِ .
وَإِنْ أَجَابَ عَنْهُ
الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان — صفحة 89
مساهمون: ابن نجيم المصري
ص٨٩