فسار حتى بلغ بلاد حلب ، وعليها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس ، فنزلوا على مسيرة يوم
منها ، ومن عزم ملك الروم أن يستحوذ على بلاد الشام كلها ، وأن يستردها إلى دين النصرانية ، وقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده " ( 1 ) وقيصر هو
من ملك الشام من الروم مع بلاد الروم فلا سبيل لملك الروم إلى هذا . فلما نزل من حلب كما ذكرنا
أرسل الله عليهم عطشا شديدا ، وخالف بين كلمتهم ، وذلك أنه كان معه الدمستق ، فعامل طائفة
من الجيش على قتله ليستقل هو بالامر من بعده ، ففهم الملك ذلك فكر من فوره راجعا ، فاتبعهم
الاعراب ينهبونهم ليلا ونهارا ، وكان من جملة ما أخذوا منهم أربعمائة فحل محجل محملة أموالا وثيابا
للملك ، وهلك أكثرهم جوعا وعطشا ، ونهبوا من كل جانب ولله الحمد والمنة . وفيها ملك جلال
الدولة واسطا واستناب عليها ولده وبعث وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح ففتحها ، وسار في
الماء إلى البصرة وعليها نائب لأبي كاليجار ، فهزمهم البصريون فسار إليهم جلال الدولة بنفسه
فدخلها في شعبان منها . وفيها جاء سيل عظيم بغزنة فأهلك شيئا كثيرا من الزروع والأشجار . وفي
رمضان منها تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين بألف ألف درهم ، وأدر أرزاقا كثيرة للفقهاء
والعلماء ببلاده ، على عادة أبيه من قبله ، وفتح بلادا كثيرة ، واتسعت ممالكه جدا ، وعظم شأنه ،
وقويت أركانه ، وكثرت جنوده وأعوانه . وفيها دخل خلق كثير من الأكراد إلى بغداد يسرقون خيل
الأتراك ليلا ، فتحصن الناس منهم فأخذوا الخيول كلها حتى خيل السلطان . وفيها سقط جسر بغداد
على نهر عيسى . وفيها وقعت فتنة بين الأتراك النازلين بباب البصرة ، وبين الهاشميين ، فرفعوا
المصاحف ورمتهم الأتراك بالنشاب ، وجرت خبطة عظيمة ثم أصلح بين الفريقين . وفيها كثرت
العملات ، وأخذت الدور جهرة ، وكثر العيارون ولصوص الأكراد . وفيها تعطل الحج أيضا سوى
شرذمة من أهل العراق ركبوا من جمال البادية مع الاعراب ، ففازوا بالحج .
ذكر من توفي فيها من الأعيان . . .
أحمد بن عبد الله بن أحمد
أبو الحسن الواعظ ، المعروف بابن اكرات ، صاحب كرامات ومعاملات ، كان من أهل
الجزيرة فسكن دمشق ، وكان يعظ الناس بالرفادة القيلية ، حيث كان يجلس القصاص . قاله ابن
عساكر . قال : وصنف كتبا في الوعظ ، وحكى حكايات كثيرة ، ثم قال : سمعت أبا الحسن
أحمد بن عبد الله اكرات الواعظ ينشد أبياتا :
أنا ما أصنع باللذات * شغلي بالذنوب
هامش
( 1 ) تقدم تخريج الحديث .