تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 808

مساهمون:

ص٨٠٨

فصل

إذا تبين هذا فقد عُلم أن العِلْم يستلزم الخشية من هذه الوجوه كلها لكن عَلَى الوجه الأول : يستلزم الخشية العِلْم بالله بجلاله وعظمته وهو الَّذِي فسر الآية به جماعة من السَّلف ما تقدم . وعلى الوجوه الآخر : تكون الخشية ملازمة للعلم بأوامر الله ونواهيه وأحكامه وشرائعه وأسرار دينه وشرعه وخلقه وقدره ، ولا تَنَافِيَ بين هذا العِلْم والعلم بالله ، فإنهما قد يجتمعان وقد يتفرد أحدهما عن الآخر ، وأكمل الأحوال اجتماعها جميعًا ، وهي حالة الأنبياء عليهم السلام وخواص الصديقين ، ومتى اجتمعا كانت الخشية حاصلة من تلك الوجوه كلها ، وإن انفرد أحدها حصل من الخشية بحيث ما حصل من ذلك العِلْم ، والعلماء الكُمَّل أولو العِلْم في الحقيقة الذين جمعوا الأمرين وقد ذكر الحافظ أبو أحمد بن عدي ، ثنا أحمد بن عبد الله بن صالح بن شيخ بن عميرة ثنا إسحاق بن بهلول قال : قال لي إسحاق بن الطباع قال لي سفيان بن عيينة : " عَالِمٌ بالله عَالِمٌ بالعلم ، عَالِمٌ بالله ليس بعالمٍ بالعلم ، عالمٌ بالعلم ليس بعالمٍ بالله " . قال : قلت لإسحاق : فهمنيه واشرحه لي ، قال : عالمٌ بالله عَالِمٌ بالعلم حماد بن سلمة ، عالمٌ بالله { ليس } بعالمٍ بالعلم مثل أبي الحاج العابد ، عَالِمٌ بالعلم { ليس } بعالمٍ بالله فلان وفلان وذكر بعض الفقهاء . وروى الثوري ، عن أبي حيان التيمي سعيد بن حيان ، عن رجل قال : كان يقال : العُلَمَاء ثلاثة : فعالمٌ بالله ليس عالماً بأمر الله ، وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله ، وعالمٌ بالله عَالِمٌ بأمر الله . فالعالم بالله وبأوامر الله : الَّذِي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض ، والعالم بالله ليس بعالمٍ بأمر الله : الَّذِي يخشى الله ولا يعلم الحدود والفرائض ، والعالم بأمر الله ليس بعالمٍ بالله : الَّذِي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل .