كان بعض التابعين إذا جلس إِلَيْهِ أكثر من ثلاثة أنفس قام خوف الشهرة .
وكان علقمة يكثر الجلوس في بيته فقِيلَ لَهُ : ألا تخرج فتحدث الناس .
فَقَالَ : أكره أن يوطأ عقبي ويقال : هذا علقمة ، هذا علقمة .
كان كثير من الصادقين من السَّلف يجتنب لباس الثياب التي يُظنُّ بأصحابها الخير ، إبعادًا لهذا الظن عن أنفسهم .
وكان ابن محيريز يدعو فيقول : اللهم إني أسألك ذكرًا خاملاً .
وقال مطرف : انظروا قومًا إذا ذكروا ذكروا بالقراءة ، فلا تكونوا منهم ، وانظروا قومًا إذا ذكروا ذكروا بالفجور فلا تكونوا منهم ، وكونوا بين ذلك .
وهذا هو الذكر الخفي المشار إِلَيْهِ في حديث سعد ، وهو من أعظم نعم الله عَلَى عبده المؤمن ، الَّذِي رزقه نصيبًا من ذوق الإيمان ، فهو يعيش به مع ربه عيشًا طيبًا ، ويحجبه عن خلقه حتى لا يُفسدُوا عليه حاله مع ربه ، فهذه هي الغنيمة الباردة ، فمن عرف قدرها وشكر عليها فقد تمت عليه النعمة .
وقد ورد في بعض الآثار أن العبد يسأل عن شكر هذه النعمة يوم القيامة .
تواريت من دهري بظل جناحه . . . فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت . . . وأين مكاني ما عرفن مكاني
كم بين حال هؤلاء الصادقين وبين من يسعى في ظهوره بكل طريق ، باستجلاب قلوب الملوك وغيرهم ، لكن إذا حقت الحقائق تبين الخالص من البهرج .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 757
مساهمون: عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي )
ص٧٥٧