تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١

أرزاقهم ، فأدى ذلك إلى خراب البلاد وترك عمارتها إلا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات . وفي هذه السنة وقع غلاء شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والسنانير والكلاب ، وكان من الناس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم . وكثر الوباء في الناس حتى كان لا يدفن أحد أحدا ، بل يتركون على الطرقات فيأكل كثيرا منهم الكلاب ، وبيعت الدور والعقار بالخبز ، وانتجع الناس إلى البصرة فكان منهم من مات في الطريق ومنهم من وصل إليها بعد مدة مديدة . وفيها كانت وفاة القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن عبد الله المهدي ، وولى الامر من بعده ولده المنصور إسماعيل ، وكان حازم الرأي شديدا شجاعا كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية ، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة على الصحيح . وفيها توفي الاخشيد محمد بن ظغج صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية ، كانت وفاته بدمشق وله من العمر بضع وستون سنة ، وأقيم ولده أبو القاسم أبو جور ( 1 ) - وكان صغيرا - وأقيم كافور الاخشيد أتابكه ، وكان يدبر الممالك بالبلاد كلها ، واستحوذ على الأمور كلها وسار إلى مصر فقصد سيف الدولة بن حمدان دمشق فأخذها من أصحاب الاخشيد ، ففرح بها فرحا شديدا ، واجتمع بمحمد بن محمد بن نصر الفارابي التركي الفيلسوف بها . وركب سيف الدولة يوما مع الشريف العقيلي في بعض نواحي دمشق ، فنظر سيف الدولة إلى الغوطة فأعجبته وقال : ينبغي أن يكون هذا كله لديوان السلطان - كأنه يعرض بأخذها من ملاكها - فأوغر ذلك صدر العقيلي وأوعاه إلى أهل دمشق ، فكتبوا إلى كافور الأخشيدي يستنجدونه ، فأقبل إليهم في جيوش كثيرة كثيفة ، فأجلى عنهم سيف الدولة وطرده عن حلب أيضا واستناب عليها ثم كر راجعا إلى دمشق فاستناب عليها بدرا الأخشيدي - ويعرف ببدير - فلما صار كافور إلى الديار المصرية رجع سيف الدولة إلى حلب فأخذها كما كانت أولا له ، ولم يبق له في دمشق شئ يطمع فيه . وكافور هذا الذي هجاه المتنبي ومدحه أيضا . وممن توفي فيها من الأعيان : عمر بن الحسين صاحب المختصر في الفقه على مذهب الإمام أحمد ، وقد شرحه القاضي أبو يعلى بن الفراء والشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي ، وقد كان الخرقي هذا من سادات الفقهاء والعباد ، كثير الفضائل والعبادة ، خرج من بغداد مهاجرا لما كثر بها الشر والسب للصحابة ، وأودع كتبه في بغداد فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب ، وعدمت مصنفاته ، وقصد دمشق فأقام بها حتى مات في هذه .

هامش
( 1 ) في الكامل 8 / 457 ومختصر في أخبار البشر ، 2 / 95 : أنوجور ( وانظر مآثر الإنافة 1 / 301 )