البداية والنهاية — صفحة 220
فجئنا يوما ننتظره على العادة فجلسنا عند بابه ، وإذا أعرابي جالس كأن له حاجة ، إذ وقع غراب على نخلة في الدار ، فصرخ ثم طار . فقال الأعرابي : إن هذا الغراب يخبر أن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام . قال فزبرناه فقام وانصرف ، ثم خرج الاذن من القاضي أن هلموا ، فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتما ، فقلنا له : ما الخبر ؟ فقال : إني رأيت البارحة في المنام شخصا يقول : منازل آل حماد بن زيد * على أهليك والنعم السلام وقد ضاق لذلك صدري . قال : فدعونا له وانصرفنا . فلما كان اليوم السابع من ذلك اليوم دفن ليوم الخميس لسبع عشرة مضت من شعبان من هذه السنة ، وله من العمر تسع وثلاثون سنة ، وصلى عليه ابنه أبو نصر وولي بعده القضاء . قال الصولي : بلغ القاضي أبو الحسين من العلم مبلغا عظيما مع حداثة سنة ، وحين توفي كان الخليفة الراضي يبكي عليه ويحرضنا ويقول : كنت أضيق بالشئ ذرعا فيوسعه علي ، ثم يقول : والله لا بقيت بعده . فتوفي الراضي بعده في نصف ربيع الأول من هذه السنة الآتية رحمهما الله . وكان الراضي أيضا حدث السن . ابن شنبوذ المقري محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت أبو الحسن المقري المعروف بابن شنبوذ . روى عن أبي مسلم الكجي ، وبشر بن موسى وخلق ، واختار حروفا في القراءات أنكرت عليه ، وصنف أبو بكر الأنباري كتابا في الرد عليه ، وقد ذكرنا فيما تقدم كيف أنه عقد له مجلس في دار الوزير ابن مقلة ، وأنه ضرب حتى رجع عن كثير منها ، وكانت قراءات شاذة أنكرها عليه قراء أهل عصره . توفي في صفر منها ، وقد دعا على الوزير ابن مقلة حين أمر بضربه فلم يفلح ابن مقلة بعدها ، بل عوقب بأنواع من العقوبات ، وقطعت يده ولسانه ، وحبس حتى مات في هذه السنة التي مات فيها ابن شنبوذ . وهذه ترجمة ابن مقلة الوزير أحد الكتاب المشاهير وهو : محمد بن علي بن الحسن ( 1 ) بن عبد الله أبو علي المعروف بابن مقلة الوزير . وقد كان في أول عمره ضعيف الحال ( 2 ) ، قليل المال ، ثم آل به الحال إلى أن ولي الوزارة لثلاثة من الخلفاء . المقتدر ، والقاهر ، والراضي . وعزل ثلاث ( 1 ) في وفيات الأعيان 5 / 113 : الحسين . ( 2 ) كان في ابتداء امره يخدم في بعض الدواوين في كل شهر بستة دنانير ثم تعلق بابن الفرات واختص به ، فرفع من قدره وأعلى من شأنه ، فمكث بين يديه يعرض عليه رقاعا في مهمات الناس وينتفع بسبب ذلك . وقال ابن خلكان : كان يتولى بعض أعمال فارس ويجبي خراجها . . ( انظر وفيات الأعيان 5 / 113 الوافي 4 / 109 والفخري 270 ) .