تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣

جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا ، فالله أعلم . وقال الخطيب : ثنا عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال : قال لنا أبو عمر بن حيوية : لما أخرج الحسين بن منصور الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس ، ولم أزل أزاحم حتى رأيته فدنوت منه فقال لأصحابه : لا يهولنكم هذا الامر ، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما . ثم قتل فما عاد ( 1 ) . وذكر الخطيب أنه قال وهو يضرب لمحمد بن عبد الصمد والي الشرطة : أدع بي إليك فإن عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية ، فقال له : قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل . ثم قطعت يداه ورجلاه وحز رأسه وأحرقت جثته وألقي رمادها في دجلة ، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر ، ثم حمل إلى خراسان وطيف به في تلك النواحي ، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه إليهم بعد ثلاثين يوما . وزعم بعضهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم وهو راكب على حمار في طريق النهروان فقال : لعلك من هؤلاء النفر الذين ظنوا أني أنا هو المضروب المقتول ، إني لست به ، وإنما القي شبهي على رجل ففعل به ما رأيتهم . وكانوا بجهلهم يقولون : إنما قتل عدو من أعداء الحلاج . فذكر هذا لبعض علماء ذلك الزمان فقال : إن كان هذا الرأي صادقا فقد تبدى له شيطان على صورة الحلاج ليضل الناس به . كما ضلت فرقة النصارى بالمصلوب . قال الخطيب : واتفق له أن دجلة زادت في هذا العام زيادة كثيرة . فقال : إنما زادت لان رماد جثة الحلاج خالطها . وللعوام في مثل هذا وأشباهه ضروب من الهذيانات قديما وحديثا . ونودي ببغداد أن لا تشترى كتب الحلاج ولا تباع . وكان قتله يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من سنة تسع وثلاثمائة ببغداد . وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وحكى اختلاف الناس فيه ، ونقل عن الغزالي أنه ذكره في مشكاة الأنوار وتأول كلامه وحمله على ما يليق . ثم نقل ابن خلكان عن إمام الحرمين أنه كان يذمه ويقول إنه اتفق هو والجنابي وابن المقفع على إفساد عقائد الناس ، وتفرقوا في البلاد فكان الجنابي في هجر والبحرين ، وابن المقفع ببلاد الترك ، ودخل الحلاج العراق ، فحكم صاحباه عليه بالهلكة لعدم انخداع أهل العراق بالباطل . قال ابن خلكان وهذا لا ينتظم فإن ابن المقفع كان قبل الحلاج بدهر في أيام السفاح والمنصور ، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين أو قبلها . ولعل إمام الحرمين أراد ابن المقفع الخراساني الذي ادعى الربوبية وأوتي العمر واسمه عطاء ، وقد قتل نفسه بالسم في سنة ثلاث وستين ومائة ، ولا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضا ، وإن أردنا تصحيح كلام إمام الحرمين فنذكر ثلاثة قد اجتمعوا في وقت واحد على إضلال الناس وإفساد العقائد كما ذكر ، فيكون المراد بذلك الحلاج وهو الحسين بن منصور الذي ذكره ، وابن السمعاني ( 2 ) - يعني أبا جعفر .

هامش
( 1 ) انظر الطبري 12 / 55 والفخري ص 261 وابن الأثير 8 / 129 . ( 2 ) في ابن الأثير 8 / 290 وابن خلكان 2 / 156 والفرق بين الفرق ص 200 : الشلمغاني . نسبة إلى قرية شلمغان التي ينسب إليها قرية بنواحي واسط