تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
محمد ، عن ابن سريج القاضي إسماعيل بن إسحاق قال : دخلت يوما على المعتضد فدفع إلى كتابا فقرأته فإذا فيه الرخص من زلل العلماء قد جمعها بعض الناس - فقلت : يا أمير المؤمنين إنما جمع هذا زنديق . فقال : كيف ؟ فقلت : إن من أباح المتعة لم يبح الغناء ، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو ، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه . فأمر بتحريق ذلك الكتاب . وروى الخطيب بسنده عن صافي الجرمي الخادم قال : انتهى المعتضد وأنا بين يديه إلى منزل شعث وابنه المقتدر جعفر جالس فيه وحوله نحو من عشرة من الوصائف ، والصبيان من أصحابه في سنه عنده ، وبين يديه طبق من فضة فيه عنقود عنب ، وكان العنب إذ ذاك عزيزا ، وهو يأكل عنبة واحدة ثم يفرق على أصحابه من الصبيان كل واحد عنبة ، فتركه المعتضد وجلس ناحية في بيت مهموما . فقلت له : مالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال . ويحك والله لولا النار والعار لأقتلن هذا الغلام . فإن في قتله صلاحا للأمة . فقلت : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك . فقال : ويحك يا صافي هذا الغلام في غاية السخاء لما أراه يفعل مع الصبيان ، فإن طباع الصبيان تأبى الكرم ، وهذا في غاية الكرم ، وإن الناس من بعدي لا يولون عليهم إلا من هو من ولدي ، فسيلي عليهم المكتفي ثم لا تطول أيامه لعلته التي به - وهي داء الخنازير - ثم يموت فيلي الناس جعفر هذا الغلام ، فيذهب جميع أموال بيت المال إلى الحظايا لشغفه بهن ، وقرب عهده من تشبه بهن ، فتضيع أمور المسلمين وتعطل الثغور وتكثر الفتن والهرج والخوارج والشرور . قال صافي : والله لقد شاهدت ما قاله سواء بسواء . وروى ابن الجوزي عن بعض خدم المعتضد قال : كان المعتضد يوما نائما وقت القائلة ونحن حول سريره فاستيقظ مذعورا ثم صرخ بنا فجئنا إليه فقال : ويحكم اذهبوا إلى دجلة فأول سفينة تجدوها فارغة منحدرة فأتوني بملاحها واحتفظوا بالسفينة . فذهبنا سراعا فوجدنا ملاحا في سميرية فارغة منحدرا فأتينا به الخليفة لما رأى الملاح الخليفة كاد أن يتلف ، فصاح به الخليفة صيحة عظيمة فكادت روح الملاح تخرج فقال له الخليفة : ويحك يا ملعون ، أصدقني عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك قال فتلعثم ثم قال : نعم يا أمير المؤمنين كنت اليوم سحرا في مشرعتي الفلانية ، فنزلت امرأة لم أر مثلها وعليها ثياب فاخرة وحلي كثير وجوهر ، فطمعت فيها واحتلت عليها فشددت فاها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها من الحلي والقماش ، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها ، فأردت الذهب به إلى واسط فلقيني هؤلاء الخدم فأخذوني . فقال : وأين حليها ؟ فقال : في صدر السفينة حتى البواري . فأمر الخليفة عند ذلك بإحضار الحلي فجئ به فإذا هو حلي كثير يساوي أموالا كثيرة ، فأمر الخليفة بتغريق الملاح في المكان الذي غرق فيه المرأة ، وأمر أن ينادى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلموا مال المرأة : فنادى بذلك ثلاثة أيام في أسواق بغداد وأزقتها فحضروا بعد ثلاثة أيام فدفع إليهم ما كان من الحلي وغيره مما كان للمرأة ، ولم يذهب منه شئ . فقال له خدمه : يا أمير المؤمنين من أين علمت هذا ؟ قال : رأيت في نومي تلك الساعة شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي : يا أحمد يا أحمد ، خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره عن
البداية والنهاية — صفحة 100 | ابن كثير / علي شيري