وقال بعضُ السلفِ : بَلغنا أَنَّ الَّذِي يطلبُ الأحاديثَ ليحدِّثَ بها لا يجدُ ريحَ الجنةِ ، يعني : من ليسَ له غرضٌ في طلبهَا إلاَّ ليحدث بها دُون العملِ بها .
ومن هذا القَبيلِ كراهةُ السَّلفِ الصَّالحِ الجُرْأَة عَلَى الفُتيا والحرصَ عليها ( والمنازعة ) ( * ) إليها والإكثارَ منها .
وروى ابنُ لهيعةَ عن [ عُبيد اللَّه ] ( 1 ) بن أبي جعفر مرسلاً ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أجْرَؤُكُم عَلَى الْفُتْيَا أَجرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ " ( 2 ) .
وقال علقمة : كانوا يَقُولُونَ : أَجرؤُكُم عَلَى الفتيا أَقلُّكُم علمًا .
وعن البراءِ قال : " أَدركتُ مائة وعشرين من الأنصارِ من أصحابِ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُسأَلُ أحدُهُم عن المسأَلةِ مَا منهُم من أحد إِلَّا وَدَّ أن أخاهُ كَفاهُ " .
وفي روايةٍ : " فيرُدُّها هذا إِلَى هذا ، وهذا إِلَى هذا حتى ترجع إِلَى الأوَّلِ " .
وعن ابنِ مَسعودٍ رضي اللَّه عنه قال : " إِن الَّذِي يُفتي الناسَ في كُل ما يَسْتَفْتُونَهُ لمجنون " .
وسُئِلِ عمرُ بنُ عبد العزيزِ عن مسألةٍ ، فَقَالَ : ما أَنا عَلى الفُتيا بِجَريءٍ .
وكتبَ إِلَى بعضِ عُمَّالِهِ : إِني واللَّه مَا أَنا بِحَريصٍ عَلَى الفُتيا ، ما وَجدتُ منها بُدًّا .
وليسَ هذا الأمرُ لمن ودَّ أَنَّ الناسَ احتاجُوا إليهِ ، إِنما هذا الأمرُ لمن ودَّ أَنَّهُ وَجدَ من يَكفيهِ .
وعنهُ أنّه قال : أَعلمُ الناسِ بالفتوى أَسكَتُهُم ، وأجهلُهُم بها أَنطقُهُم .
هامش
( 1 ) في " الأصل " : عبد الله . وهو خطأ ، والصواب " عبيد الله " انظر " تهذيب الكمال " ( 15 / 488 ) .
( 2 ) أخرجه الدارمي ( 157 ) .
( * ) والمسارعة : " نسخة " .