تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
وجاء في الحديث : « ابْكُوا ، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا » ( 1 ) . فمن أَحَبّ أهل الخير وتشبه بهم جهده ؛ فإنه يلحق بهم كما في الحديث المشهور : " مَنْ حَفِظَ أَرْبَعِينَ حَدِيثا حشر يَوْم الْقِيَامَة فِي زمرة الْعُلَمَاء " ( 2 ) ومن أَحَبّ أهل الطاعة والذكر - عَلَى وجه السنة - وجالسهم فإنه يغفر له معهم وإن لم يكن منهم « فإِنَّهُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ » . فأما التشبه بأهل الخير في الظاهر ، والباطن لا يشبههم فهو بعيد منهم ، وإنما القصد بالتشبه أن يقال عن المتشبه بهم أنه منهم وليس منهم ، فهذه خصال النفاق ، كما قال بعض السلف : استعيذوا بالله من خشوع النفاق أن يرى الجسد خاشعًا ، والقلب ليس بخاشع . كان السلف يجتهدون في أعمال الخير ويعدون أنفسهم من المقصرين المفرطين المذنبين ، ونحن مع إساءتنا نعد أنفسنا من المحسنين ! كان مالك بن دينار يقول : إذا ذكر الصالحون : " أف لي وتف " وقال أيوب : " إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل " . وقال يونس بن عبيد : " أعد مائة خصلة من خصال الخير ليس فيَّ منها واحدة " . وقال محمد بن واسع : " لو أن للذنوب رائحة لم يستطع أحد أن يجلس إليَّ " . يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد ، وإذا تشبه بالمذنبين فحاله وحالهم واحد ، يا من يسمع ما تلين به الجوامد وطرفه جامد ، وقلبه أقسى من الجلامد ، يا من برد قلبه عن التقوى ، كيف ينفع الضرب في حديد بارد ؟
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( 4196 ) من حديث سعد بن أبي وقاص . ( 2 ) أخرجه ابن عدي في " الكامل " ( 5 / 150 ) ، ( 6 / 222 ) ، ( 7 / 66 ) من حديث أبي هريرة .