تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عقلاء المجانين — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
قال عطاء السلمي مررت ذات يوم في بعض أزقة الكوفة فرأيت عليان المجنون واقفاً على طبيب يضحك منه ومالي عهد كان بضحكه ، فقلت له ما أضحكك ؟ قال هذا السقيم العليل الذي يداوي غيره وهو مسقام ، قلت فهل تعرف له دواء ينجيه مما هو فيه ؟ قال شربة ان شربها رجوت برأه ، فقلت صفها ، قال خذ ورق الفقر وعرق الصبر واهليلج التواضع وبليلج المعرفة وغار يقون الفكرة ، فدقها دقاً ناعماً بهاون الندم واجعله في طنجير التقى ، وصب عليه ماء الحياة وأوقد تحتها حطب المحبة حتى ترمي الزبد ثم أفرغها في جام الرضا وروحها بمروحة الحمد واجعلها في قدح الفكرة وذقها بملعقة الاستغفار ، فلن تعود إلى المعصية أبداً . قال ذو النون المصري رأيت في منامي كأن قائلاً قال لي إن في دير هرقل حكيماً من الحكماء أفلا تقصده ؟ فقلت شأنك ، قال أفلا اكترى لك حماراً أو بغلاً قلت لا ، قال امش معي فإن الله سبحانه يقوينا على ذلك ، وكان بيننا وبين الدير عشرون فرسخاً ، فمشيت معه نتحدث ، فأصبحنا ونحن على باب الدير كأنا لم نمش إلا يسيراً ، فدخلنا الدير فسألنا عنه فقالوا لا نعرف إلا معتوهاً أو ممروراً أو مريضاً ، قال ذو النون إنه وصف لنا ها هنا حكيم ، قال صاحب الدير أيكما أحق بالحبس وشرب الدواء من هؤلاء ؟ ما يصنع الحكيم في دير هرقل ؟ قلنا فاذن لنا في النظر إليهم ، قال شأنكما ، فما من محبوس إلا تعرضنا له فما سمعنا ما دل على غرابة عقولهم حتى بلغنا إلى أقصى مقصورة فيها ، فرأينا رجلاً مغلولاً مقيداً قد شد بسلسلة إلى حجر كبير ، قال ذو النون فتعرضت له فقال قل خيراً تغنم أو اسكت تسلم ، فسلمت عليه ، فرد ، فقلت له ما اسمك قال اسمي علي وأعرف بعليان الكوفي ، قلت له أنت عليان الكوفي ؟ قال نعم ، قلت فمن حبسك ها هنا ؟ قال الحب ينطق والحياء يسكت والحرق يقلق ، فتغير لوني وارتعدت فرائصي ، فقلت يا علي ما طيب العيش قال إذا قذف بك في عين الأنس فكلك معه ، قلت يا علي فما بلغ بك ما أرى ؟ قال كنت عاقلاً ظريفاً وكان المدبر والسايس غيري وأنا منبوذ بين كنفه وعطفه فإن شاء عفا وإن شاء عاقب وإن شاء أبلى وإن شاء عافى وهو الفعال لما يريد ، وان الطبيعة النقية يكفيها من العظمة اللمحة ومن الحكم الإشارة إليها ، قلت فإن أسترشدك ، قال إن
عقلاء المجانين — صفحة 77 | حسن بن محمد بن حبيب النيسابوري / أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول