على صوته كل أسود في المدينة ، وحملوا عليهم حملة واحدة وهم ذاهبون إلى الجمعة ، لسبع بقين من ذي
الحجة من هذه السنة ، وقيل لخمس بقين من شوال منها ، فقتلوا من الجند طائفة كثيرة المزاريق
وغيرها ، وهرب الأمير عبد الله بن الربيع وترك صلاة الجمعة . وكان رؤوس السودان : وثيق ويعقل
ورمقة ( 1 ) وحديا وعنقود ، ومسعر ، وأبو النار . فلما رجع عبد الله بن الربيع ركب في جنوده والتقى مع
السودان فهزموه أيضا فلحقوه بالبقيع فألقى لهم رداءه يشغلهم فيه حتى نجا بنفسه ومن اتبعه ، فلحق
ببطن نخل على ليلتين من المدينة ، ووقع السودان على طعام للمنصور كان مخزونا في دار مروان قد قدم
به في البحر فنهبوه ونهبوا ما للجند الذين بالمدينة من دقيق وسويق وغيره ، وباعوا ذلك بأرخص
ثمن ( 2 ) . وذهب الخبر إلى المنصور بما كان من أمر السودان ، وخاف أهل المدينة من معرة ذلك ،
فاجتمعوا وخطبهم ابن أبي سبرة - وكان مسجونا - فصعد المنبر وفي رجليه القيود ، فحثهم على السمع
والطاعة للمنصور ، وخوفهم شر ما صنعه مواليهم ، فاتفق رأيهم على أن يكفوا مواليهم ويفرقوهم
ويذهبوا إلى أميرهم فيردوه إلى عمله ، ففعلوا ذلك ، فسكن الامر وهدأ الناس وانطفأت الشرور ،
ورجع عبد الله بن الربيع إلى المدينة فقطع يد وثيق وأبي النار ويعقل ومسعر .
ذكر خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة
كان إبراهيم قد هرب إلى البصرة فنزل في بني ضبيعة من أهل البصرة ، في دار الحارث بن
عيسى ، وكان لا يرى بالنهار ، وكان قدومه إليها بعد أن طاف بلادا كثيرة جدا ، وجرت عليه وعلى أخيه
خطوب شديدة هائلة ، وانعقد أسباب هلاكهما في أوقات متعددة ، ثم كان آخر ما استقر أمره بالبصرة
في سنة ثلاث وأربعين ومائة ، بعد منصرف الحجيج . وقيل إن قدومه إليها كان في مستهل رمضان سنة
خمس وأربعين ومائة ، بعثه أخوه إليها بعد ظهوره بالمدينة ، قاله الواقدي . قال : وكان يدعو في السر إلى
أخيه ، فلما قتل أخوه أظهر الدعوة إلى نفسه في شوال من هذه السنة ، والمشهور أنه قدمها في حياة أخيه
ودعا إلى نفسه كما تقدم والله أعلم .
ولما قدم البصرة نزل عند يحيى بن زياد بن حسان ( 3 ) النبطي ، فاختفى عنده هذه المدة كلها ،
حتى ظهر في هذه السنة في دار أبي فروة ، وكان أول من بايعه نميلة بن مرة ، وعبد الله ( 4 ) بن سفيان ،
وعبد الواحد بن زياد ، وعمر بن سلمة الهجيمي ، وعبيد الله بن يحيى بن حصين الرقاشي . وندبوا
الناس إليه فاستجاب له خلق كثير فتحول إلى دار أبي مروان في وسط البصرة ، واستفحل أمره ، وبايعه
هامش
( 1 ) في ابن الأثير 5 / 556 : زمعة .
( 2 ) بيع حمل الدقيق بدرهمين ، وراوية الزيت بأربعة دراهم ( الطبري - ابن الأثير ) .
( 3 ) في ابن الأثير 5 / 563 : حيان .
( 4 ) في ابن الأثير ، وفي الطبري 9 / 247 : عفو الله .